وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ..!
السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴿السجدة: 24﴾
لا جماعة يمكنها أن تتقدَّم وتتطور وتتكامل وتبلغ غاياتها في الكمال الإنساني من دون إمام تأتم به، إمام يقودها إلى غاياتها الشريفة، ويرتقي بها إلى مراقي الإنسانية النبيلة، هذا في المعنى العام، حيث لا نعثر على أمة أو شعب أو قبيلة أو حتى أسرة من غير قائد يسوسها، ويرعى حقوق أفرادها، ويفصل بينهم فيما يختصمون فيه، ويكون هاديًا لهم إلى الخير، يحثُّهم على فعل المعروف، وينهاهم عن المنكر.
أما في المعنى الخاص، أي في الدين، والدين مكوِّن أصيل من مكونات الشخصية الإنسانية، وحاجة ضرورية للأفراد والمجتمعات، يدل على ذلك أننا لا نعثر على مجتمع لا دين له، حتى أولئك الذين يطلقون على أنفسهم وصف (لا دينيين) فإن لهم دينهم، لهم عقيدة تحدد لهم مسارهم ومصيرهم في الحياة، حتى ولو كانت خاطئة مجانبة للصواب.
أما في الدين الإلهي الذي اختاره الله للبشر لطفًا منه ورأفة بهم، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يمضي بالناس إلى الغاية التي خلقهم الله لأجلها من دون إمام يأتَمّون به، ويمضون خلفه، وهذا الإمام لا يختاره الناس، بل يختاره الله ويصطفيه من بين عباده، لأن الدور المنوط به من قبل الله تعالى يحتاج إلى مؤهِّلات ومواصفات لا يعلمها الناس، فمن المؤهّلات ما لا يكون ظاهرًا يقدر الناس على معرفته، كاليقين، والتقوى، والعصمة عن الخطأ، وهذه لا يعلمها إلا الله العليم الخبير،
قال سبحانه: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿68﴾ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿القصص: 69﴾.
إن الإمام الهادي إلى الحق بأمر الله لا بأمره الشخصي، تؤهِّله لمقام الإمامة شروط عديدة ذكرت الآية الكريمة شرطين أساسيين منها، وفي طيهما بقية الشروط، وأول هذين الشرطين: الإيمان واليقين بالله وآياته وأمره، والثاني: الصبر والثبات والاستقامة.
فهذان شرطان ضروريان للإمام سواء أكان معصومًا بالعصمة المطلقة، أم كان قائدًا ربانيًا كالقائد الذي يلي المعصوم في الدور والمؤهِّلات والمكانة، وذلك أن القيادة الربانية لا تخلو لحظة واحدة من المشكلات والصعوبات،
فالقائد الذي عليه أن يربي المجتمع أفرادًا وجماعة، ويتقدم بهم في مختلف أبعادهم الإنسانية، ويواجه الطغيان، ويحمل الحق، وينقض الباطل، وينصر المظلومين وينصفهم من ظالميهم، ويضرب على يد المعتدين، ويهدي الناس إلى التي هي أقوم، ويصد هجمات الكفر والضلال والانحراف، ويرد عن الناس سهام الشبهات العقدية والفكرية والسياسية، مما يجعله في أمس الحاجة إلى أن يكون على حق اليقين مِمّا هو عليه ومِمّا يعتقده ويؤمن به، وأن يصبر على ما يواجهه به الظالمون والطغاة، والمشككون والمفترون والكذابون والمنافقون، وأولئك الذين يحاولون ثَنيه عن واجبه، أو مداهنته، أو حرفه عن صراط الله المستقيم بالترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى، مِمّا يجعله في أمس الحاجة إلى الصبر واليقين.
على أن هذا الإمام والقائد الذي يختاره الله لقيادة المجتمع الإنساني لا بد من أن يجتاز مراحل كثيرة من الصعوبات والابتلاءات التي تُهيِّئه لمقام الإمامة والقيادة تحت رعاية الله وتسديده، وبكلمة أخرى: أن يُصنَع على عين الله، أي يربِّيه الله ويؤدِّبه ليتمكن من تربية المجتمع وتأديبه، وهذا لا يكون إلا بالصبر واليقين.
واعلم قارئي الكريم، أن ما سبق ذكره كما ينطبق على الإمام (الفرد)، كذلك ينطبق على الجماعة والأمُّة، فكما يختار الله إمامًا لقيادة المجتمع، فإنه يختار أيضًا جماعة وأمة تستظل بظل قيادة ذلك الإمام المنصوب من الله تعالى بالنَّصب الخاص كما في الأئمة الأطهار (ع) أو بالنصب العام كما في الفقهاء العدول، وتكون تلك الجماعة أو الأمة قائدة وشاهدة على سواها من الجماعات والأمم،
وقد دلَّت على ذلك طائفة من الآيات الكريمة، من ذلك قوله تعالى: وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا… ﴿البقرة: 143﴾.
نحن اليوم جماعة قائدة، نواجه في مسيرنا نحو غاياتنا الكبرى أعداءً كثيرين، وتُخاض علينا حروب عسكرية، وسياسية، وأمنية، واقتصادية، ومالية، ونفسية، وتثار في وجوهنا عواصف من الشُبُهات، والأفكار التي تبدو ظاهرًا أنها حسَنَة طيِّبة لكنها تختزن السُّمَّ القاتل، مما يجعلنا في حاجة إلى مواجهة كل ذلك بالصبر واليقين بعقيدتنا، وخياراتنا، ووعد الله لنا بالنصر، فإن الخطر الأكبر الذي يتهدَّدنا ليس دائمًا ما يحيط بنا من الأعداء، بل ما قد يتسرَّب إلى داخلنا من الوَهن، وضعف البصيرة، واهتزاز الثقة بوعد الله، فإن الجماعة قد تُهزَم عسكريًا ثم تنهض من جديد، وقد تُحاصر اقتصاديًا ثم تجد طريقها إلى القوة، ولكنها إذا فقدت يقينها، أو تسرَّب الشك إلى رسالتها وغاياتها، فإنها تفقد أهم عناصر بقائها واستمرارها.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 30/6/2026 الساعة (04:09)




