الأربعاء - 17 يونيو 2026
منذ سنة واحدة
الأربعاء - 17 يونيو 2026

بهاء الخزعلي ||

في ذكرى استشهاد الأخ المجاهد العزيز الحاج أبو باقر الساعدي، رسالة من تراب المقابر للشباب الثائر، وإلى الذي لم يثر نُصرة لدينه كذلك…

في زوايا الليل المظلمة، حيث يغفو العالم وتخف ضجيج النهار، ينهض جيل من “الرهبان الجدد”.. لا يرتدون ثيابًا دينية، ولا يعيشون في أديار معلقة بين السماء والأرض، لكنهم يصلون بصمت على مذابح الأحلام. إنهم أولئك الذين يخبئون أنفاسهم خلف شاشات مضيئة، ويحملون هم المستقبل في أكف متعبة، وينسجون صعودهم خلف ستائر الظلام.. إنهم “عمار الليل”.

رهبنة من نوع آخر
لا يحتاج الإخلاص إلى أجراس تنادي للصلاة، ولا إلى هتافات تملأ الشوارع. ففي عصر السرعة والضوضاء، تحمل فئة من الشباب نذر “الرهبنة الصامتة”: يختارون الانكفاء على ذواتهم، مُقايضين سمر الأصدقاء بسهرة الكتب، وضحكات السهرات بهمسات الأفكار، وأضواء الحفلات بشموع الإصرار. إنهم يصلون لله بصمت.. فكل طرقَة علم على لوحة المفاتيح هي تسبيحة، وكل سطر يُكتب في ملف مجهول هو إيمان بغد لا يعرف وجهه أحد.

*مذابحهم: غرف مظلمة، وقلوب وحيدة:

لا تشبه معابدهم القصور. فراهب العصر الجديد يرسم حلمه على مذبح طريق النصر أو في زاوية بغرفة يتسلل منها نور الهاتف كشاهد وحيد على معجزته. هناك، تنبت الأفكار كالنباتات في الصحراء: ببطء، وعناد، وعطش لا يرتوي. يدفعون ضريبة الصمت بدموع لا يراها أحد، وبأيام تمر كالسنين، وبأسئلة قاسية: “لماذا أختار هذا الطريق الوعر؟ هل سيعرف العالم يومًا أني كنت هنا؟
لكنهم يجيبون على كل هذه الأسئلة بجملة واحدة (كفى بألله رقيب).

*صعود إلى “قداسة” الذات :

في رحلة الراهب الصامت لا توجد وجهات تشير إلى الاتجاه، ولا خطوط حمراء تُحدد الممنوع والمشروع. فقداستهم تأتي من داخل إصرار يصنع معجزة الاستيقاظ قبل الفجر، وصبر يتحمل غبار الفشل دون شكوى، وإيمان يجعل من كل “لا” مسمارًا يدقه في جدار المستحيل. إنهم يكرسون أرواحهم لصناعة شيء واحد: نسخة أفضل من أنفسهم.. نسخة لا تظهر إلا بعد مغادرة الآخرين إلى سُباتهم.

*لماذا نحن؟ لأن الحياة لا تنتظر من ينتظرها!

يعرف رهبان الليل سرًا غامضًا: أن البكور لا يخص الطيور وحدها، وأن العظمة لا تولد في ضوء الشموس الواضحة، بل في عتمة الشك والبحث. هم يدركون أن التاريخ لا يكتب أسماء من يصرخون فقط، بل أسماء من يبنون عروش الحقيقة بأظافرهم. لذا، يضحكون عندما يسخر الآخرون من “رغبتهم أو غربتهم”، لأنهم يعرفون أن كل عظيم مر من هنا: من ليلة طويلة، ومن صمت ثقيل، ومن وحدة تقطر إبداعًا.

*رسالة إلى راهب الليل: لا تتوقف عن الصلاة!

إذا كنت تقرأ هذا الكلام الآن، وجفناك تُنازعان النوم، وعيناك تتابعان الساعات بقلق.. فاعلم أنك لست وحدك. ففي مدينة ما، ثمة شاب يدرس لامتحان سيغير مجرى حياته، وفتاة تحاول إكمال روايتها العاشقة، ومبرمج يحارب أخطاء لا تنتهي.. كلكم تشتركون في طقس قديم: “صلاة الصعود إلى الذات”. لذا، لا تخف من صمتك، ولا تندم على عزلة ليلك، فوراءك قافلة من الحالمين يسمعون دبيب أقدامك في الظلام، ويهمسون: “استمر.. فالقمة أقرب مما تظن”.

*الخاتمة:

فليضحك أهل الضوضاء، وليستهزئ من لا يعرفون لذة المغامرة في عالم الصمت.. أنت تعرف الحقيقة: أن أعظم الثورات تبدأ بواحد.. واقف في الظل، يصنع نجمته من صبره، هكذا كان الشهيد (أبو باقر الساعدي) وإخوته المجاهدين الصابرين الساجدين المستغفرين، فهم رهبان الليل، هؤلاء الذين يعرفون أن الاستشهاد ليس النهاية، إنما هو وقود لاستمرار المسيرة للأجيال اللاحقة.