الأربعاء - 17 يونيو 2026

إلى بيئتنا الشريفة..!

منذ سنتين
الأربعاء - 17 يونيو 2026

السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

السلام عليكم يا أشرف الناس، وأطهر الناس، وأصدق الناس، وأوفى الناس، وأخلص الناس، وأصبر الناس، حفظكم الله جميعاً، وفرَّج عنكم، وكشف كروبكم، ونصركم، وأَعَزَّكم في دُنياكم وآخرتكم.

كلما أتاكم نبأ عن ارتحال سعيد فاغبطوه على ما وفقه الله من عاقبة حَسنَة وعلى المقام الذي ارتضاه له، وافخَروا، نعم افخَروا بما اختار الله لخياركم والمتقدمين فيكم من مقام لا مقام يعلوه ويسمو عليه، ولم يموتوا حتف أنفهم، ولا على أَسِرِّتِهم، ولا على معصية لله تعالى، ولم يقدموكم للموت ليعيشوا الحياة ويهنؤوا فيها بعدكم، ويبنون أمجادهم على موتكم وجراحاتكم، بل تقدموكم في التضحية، والنُّبل، والوفاء، وآثَروا حياتكم على حياتهم.

وتذكروا أنكم تنتمون إلى مسيرة مباركة مؤمنة، مُضحِّيَة، مُقبِلة غير مُدبِرة، تؤدي واجبها بعزم، وتحمِل تكاليفها بقوة، وتصدُق عهودها لله، وافخَروا أنكم من الذين قال الله عنهم: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴿23﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴿24/ الأحزاب﴾.

وتذكروا أنكم تنتمون إلى دين محمد رسول الله (ص) الذي يرى (السعادة) كرامة وفَوزاً عظيماً، وهو الذي يقول: “والَّذي نَفسِي بِيَدِهِ لَوَدِدتُ أنّي اُقتَلُ في سَبيلِ اللَّهِ ثُمّ أُحيا، ثُمّ أُقتَلُ ثُمّ أُحيا، ثُمّ اُقتَلُ”.

وتنتمون إلى مدرسة أمير المؤمنين (ع) الذي قال: “أيّها الناسُ، إنَّ المَوتَ لا يَفُوتُهُ المُقِيمُ، ولا يُعجِزُهُ الهارِبُ، ليسَ عَنِ المَوتِ مَحِيدٌ ولا مَحِيصٌ، مَن لَم يُقتَلْ ماتَ، إنّ أَكْرَمَ المَوتِ القَتلُ، والذي نفسُ عَليٍّ بِيَدِهِ: لَألفُ ضَربَةٍ بالسَّيفِ أهوَنُ مِن مَوتَةٍ واحِدَةٍ عَلَى الفِراشِ”

وحين ضربه ابن مُلجَم على هامته الشريفة قال: “فُزْتُ وَرَبِّ الكَعبَة”

وتنتمون إلى مدرسة الإمام الحُسَين الذي قال: “خُطَّ الْمَوْتُ عَلَى وُلْدِ آدَمَ مَخَطَّ الْقِلَادَةِ عَلَى جِيدِ الْفَتَاةِ، وَمَا أَوْلَهَنِي إِلَى‏ أَسْلَافِي اشْتِيَاقَ يَعْقُوبَ إِلَى يُوسُفَ، وَخُيِّرَ لِي مَصْرَعٌ أَنَا لَاقِيهِ، كَأَنِّي بِأَوْصَالِي تَقَطَّعُهَا عُسْلَانُ الْفَلَوَاتِ بَيْنَ النَّوَاوِيسِ وَكَرْبَلَاءَ، فَيَمْلَأَنَّ مِنِّي أَكْرَاشاً جُوفاً، وَأَجْرِبَةً سُغْباً لَا مَحِيصَ عَنْ يَوْمٍ خُطَّ بِالْقَلَمِ، رِضَى اللَّهِ رِضَانَا أَهْلَ الْبَيْتِ، نَصْبِرُ عَلَى بَلَائِهِ وَيُوَفِّينَا أُجُورَ الصَّابِرِينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لَحْمَةٌ هِيَ مَجْمُوعَةٌ لَهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ تَقَرُّ بِهِمْ عَيْنُهُ، وَيُنَجَّزُ لَهُمْ‏ وَعْدُهُ، مَنْ‏ كَانَ بَاذِلًا فِينَا مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَاءِ اللَّهِ‏ نَفْسَهُ، فَلْيَرْحَلْ فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً، إِنْ شَاءَ اللهُ”

وتذكروا قول الإمام زين العابدين (ع) الذي قال لابن زياد وقد هدَّده بالقتل: “أَبِالْقَتَلْ تُهَدِّدُنِي يَا ابْن اَلطُّلَقَاءِ أَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ اَلْقَتْلَ لَنَا عَادَةُ وَكَرَامَتُنَا مِنْ اَللَّهِ اَلشَّهَادَةِ”.

وإيَّاكم أن يتسَرَّب اليأس إلى قلوبكم، بل يجب أن يزداد يقينكم بأن الله تعالى الذي اشترى هذه النفوس الكريمة وتعَهَّد أن يكون الثمن النصر والجَنَّة، أليس الله تعالى هو القائل: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿111/ التوبة﴾.

ولا تخافوا على مسيرتكم، فإنها برعاية الله وعنايته، وعناية صاحب العصر والزمان المُدَّخَر ليملأ الأرض كلها قِسطاً وعَدلاً بعد أن مُلِئَت ظُلماً وجَوراً.

وتذكَّروا أن هؤلاء الكرام عندما حملوا راية الحق والحُرِّيّة كانوا قِلَّة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتَخَطَّفهم الناس، لا يملكون إمكانيات، ولا خِبرة، فمضوا على الطريق صادقين وكان الله يرعاهم، فآواهم وأيَّدهم بنصره، وجعل لهم في قلوب الناس وِداً، فحاشاه أن يُهمِلَكم من رعايته وعنايته.

فامضوا على ما مَضَوا عليه، واثقين موقِنين أن هذه الدماء الزكية الطاهرة ستُثمِر الثمار الطَيِّبة التي تنتظروها، إن شاء الله، ولا تُبَدِّلوا تبديلاً.