الخميس - 14 مايو 2026

تهديد الهي.. تلك هي سُنّة الله تعالى التي لا تتبدّل ولا تتحوّل..!

منذ شهر واحد
الخميس - 14 مايو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿المائدة: 54﴾.

هذا تهديدٌ من الله تعالى لمن يرتدّ عن دينه، أو يتخلّى عن واجباته تجاهه، بأنه سيكون وحده الخاسر؛ فالله قد ضمن لدينه الخلود والبقاء، ومسيرته لا تتأثّر بارتداد الأشخاص عنه، بل يستبدلهم الله تعالى بخيرٍ منهم، فيحملون دين الله بيقينٍ لا تشوبه شكوك، وإيمانٍ ثابتٍ مستقرٍّ لا يتزلزل أمام الترغيب والترهيب، ووضوحٍ في الموقف والانتماء لا يخافون معه لومة لائم.

تلك هي سُنّة الله تعالى التي لا تتبدّل ولا تتحوّل؛ إن رسالة الله ماضيةٌ في طريقها نحو غاياتها، والله تعالى يُهيّئ لها من يحملها من عباده المخلِصين، الذين يجاهدون في سبيله في حفظها والدفاع عنها.

وقد ذكرها الله تعالى في أكثر من موضعٍ في كتابه الكريم؛ من ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴿38﴾ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿التوبة: 39﴾.

فالذين يتثاقلون عن القيام بواجبهم في الدفاع عن الدين وقِيَمه خوفًا على حياتهم، أو أموالهم، أو لذائذهم ومصالحهم ومتعهم، أو طلبًا للدَّعة والراحة والاستقرار ولو على حساب عقيدتهم وكرامتهم، ما يتثاقل عن ذلك إلا من يكون اعتقاده سقيمًا، وإيمانه ضعيفًا، وقلبه مريضًا؛ ما يتثاقل إلا المنافقُ، والمرتابُ، والخائفُ الهَلوع، والحرِيصُ على متاعٍ زائل.

هؤلاء يُعذّبهم الله بما كسبوا؛ يعذّبهم بنفاقهم، وارتيابهم، وعدم حصولهم على ما ارتدّوا أو تثاقلوا عن القيام بالواجب من أجله.

فلا يضرّون إلا أنفسهم. ووالله إنهم ليخسرون من الأنفس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد، ويقدّمون على مذبح الذلّ أضعاف ما تتطلّبه منهم الكرامة لو قدّموا لها الفداء.

وما من أمةٍ تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذلّ، فدفعت مُرغَمةً صاغرةً لأعدائها أضعاف ما كان يتطلّبه منها كفاحُ الأعداء. وما حدث ويحدث لأمّة المليار مسلم من هوانٍ وذلٍّ وصَغارٍ أمام الأعداء ليس عنّا ببعيد.

إن اختيار الله للجماعة المؤمنة لتكون حاملةً لرسالته هو فضلٌ ومنّةٌ، وشرفٌ كبير، وكبيرٌ جدًّا. فمن شاء أن يرفض هذا الفضل، وأن يحرِم نفسه هذا المقام، فهو وما اختار لنفسه؛ والله غنيٌّ عنه وعن العالمين، والله يختار من عباده من يعلم أنه أهلٌ لذلك الفضل العظيم.

وقد بيّنت الآية الكريمة سِمات هؤلاء البُدَلاء، أو الأبدال، الذين نسأل الله تعالى أن نكون منهم:

أولى سماتهم: أن الله يحبّهم وأنهم يحبّون الله؛ فالحبّ والرضا المتبادَل هو الصلة بينهم وبين ربهم، وهو الرابط بينهم وبين ربهم الودود. وحبّ الله لعبدٍ من عباده أمرٌ لا يقدِر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله سبحانه، خالقَ الكون وصانِعَه، وخالقَ الإنسان ومُدبِّر أمره ورازقَه.

وحبّ العبد لربه نعمةٌ لا يدركها إلا من ذاق حلاوتها ونعِم بفيضها.

الثانية: أنهم أذلّةٌ على المؤمنين؛ وليس المراد بها الصَّغار والهوان، بل هي صفة مأخوذةٌ من الطواعية واليُسر واللِّين؛ فالمؤمن ذلولٌ للمؤمن، ميسّرٌ مستجيب، سمحٌ ودود.

وهذه هي الذلّة للمؤمنين، وما في ذلك من مذلّة ولا مهانة؛ إنما هي أخوّةٌ ترفع الحواجز، وتزيل التكلّف بينهم، وتجعلهم روحًا واحدةً في جُسومٍ متعددة.

الثالثة: أن فيهم عزّةً على الكافرين؛ ففيهم على الكافرين والظالمين والمستكبرين استعلاءٌ وإباء.

ومن عزّتهم أن الظالمين الكافرين لا يمكنهم أن ينالوا منهم، ولا من مواقفهم، ولا من عقيدتهم؛ فهم غالبون بقوة الله وعزّته، وهم الأعلون أبدًا، حتى ولو أصابهم مكروهٌ في ميادين الصراع.

الرابعة: أن حياتهم كلها لله؛ كل أعمالهم ومواقفهم وأحوالهم جهادٌ في سبيل الله، لا يجاهدون من أجل دنيا يصيبونها، ولا رغبةٍ في منصب، ولا طلبًا لمال، بل جهادهم خالصٌ لله وحده، لتحقيق الخير والصلاح في المجتمع الإنساني.

الخامسة: أنهم لا يخافون لومة لائم؛ وكيف يخافون الناس وهم يعلمون أنهم لا ينفعون ولا يضرّون إلا بإذن الله؟ وكيف يخافون الناس وهم يخافون الله؟ ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء.

فجر يوم الخميس الواقع في: 2/4/2026 الساعة (05:03)