الخميس - 14 مايو 2026

فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا..!

منذ شهر واحد
الخميس - 14 مايو 2026

✍️ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴿النساء: 141﴾.

مرَّة أخرى يعيد القرآن الكريم الحديث عن حركة النفاق في المجتمع، وهو سيكرِّر الحديث عنها في الكثير من سُوَره المباركة، وصولًا إلى سورة سُمِّيَت باسم المنافقون. والداعي إلى ذلك ما تمثِّله من خطورة على المجتمع والدولة والأمّة.

الآية الكريمة التي بين أيدينا تكشف عن واحدة من سمات الشخصية المنافقة؛ فهي شخصية يتناقض ظاهرُها مع باطنِها، لا تنتمي إلى الحق لأنها لا تؤمن به، ولا تُظهِر الباطلَ رغم إيمانها العميق به. فهي تتربَّص بالنتائج: فإن كان للمؤمنين ظفرٌ قالت لهم:

نحن معكم، وإن كان للكافرين نصيبٌ من الظفر قالت لهم: نحن الذين وقفنا معكم وحميناكم من المؤمنين. فهي ليست على مبدأٍ أبدًا، بل على مصلحة متقلّبة. وهنا تكمن خطورتها، لا على جبهة الحق وحسب، بل حتى على جبهة الباطل.

هذه الفئة كثيرة، لا يخلو مجتمع منها، وأكثر ما يُبتلى بها المجتمعُ الذي يخوض صراعًا مع الباطل والظلم أو الاحتلال والعدوان؛ لأن هذا الصراع يتطلَّب أثمانًا باهظة وكلفةً عالية، لا يتحمّلها المصلحيون والمنافقون. فالمصلحيّون إن كان إظهارُ الإيمان أو الجهرُ بالحق، أو العملُ الثوريّ التغييريّ، يحفظ لهم مصلحتهم فعلوا ذلك، وإن وجدوا مصلحتهم مع جبهة الباطل والعدوان وقفوا معها دونما خجل.

الآية الكريمة تقول: إن المنافقين ينتظرون دوائر الزمان بجبهة أهل الحق، ويرقبون ما يؤول إليه أمرهم، لا لأنهم حريصون على الحق، بل لأنهم ينتظرون من يعلو ليلتحقوا به.

فإن كان لهذه الجبهة نصرٌ وغلبةٌ وفَتْحٌ من الله ادّعَوا أنهم من المؤمنين، وطالبوا بنصيبهم من النتائج والغنائم الناتجة عن النصر.

وإن كان لجبهة الباطل غلبةٌ في بعض المراحل قالوا لهم: ألم نكن معكم ظاهرًا، فنؤمّن لكم بعض المصالح، أو نمنع عنكم أذى أعدائكم؟ لقد خضنا معركتكم السياسية والإعلامية، وكنا عيونًا لكم نرصدهم وننقل إليكم أخبارهم، فمن حقنا أن يكون لنا نصيبٌ من غنائمكم المادية والمعنوية.

المنافقون أشخاصٌ مصلحيّون نفعيّون، لا يقفون مع الحق لذاته، بل مع الجهة الأقوى أو الأقرب إلى المنفعة. ولذلك وصفتهم الآية بأنهم يتربّصون، أي يعيشون حالة انتظار وترصُّد سياسي وإعلامي واجتماعي.

وذلك يعني أن النفاق بنيةٌ نفسية فيهم، وسلوكٌ انتهازيّ “حِرْبائيّ” يتلوّنون في مواقفهم تبعًا للواقع المستجدّ بما يكفل لهم مصلحتهم، ولديهم خطابٌ مزدوج؛ إذ يقولون لجبهة الحق ما تحب، ولجبهة الباطل ما تحب، ويحافظون على اتصالٍ مع الطرفين، مع سعيٍ للكسب من كل نتيجة تتحقّق.

لكن الذي يهوِّن الخطب في المنافقين أن أمرهم سريعًا ما ينكشف، وأن لونهم الحقيقي سريعًا ما يظهر بعد أن تبهت الألوان الأخرى، وأن فلتات ألسنتهم وطريقتهم في التعبير عن أفكارهم وقَسَمات وجوههم تكشف معدنهم الحقيقي.

قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ﴿29﴾ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴿محمد: 30﴾.

وإن لم يكشف ذلك حقيقتهم، تكفّلت بكشفها الأزماتُ والصراعاتُ والمواقفُ الصعبة؛ فعند الشدائد يظهر معدنهم الحقيقي، وينكشف المتذبذب. فمهما أجادوا تمثيل أدوارهم، لا بد أن تنكشف حقيقتهم. وقد رأينا ونرى ذلك جليًّا في هذه الأيام التي تخوض فيها جبهة الحق أعظم وأكبر مواجهة بينها وبين جبهة الباطل والطغيان والمنكر.

فجر يوم الأربعاء الواقع في: 1/4/2026 الساعة (05:00)