💎 جواهر عَلَويَّةٌ: لَيْسَ بِحَكيمٍ مَنْ شَكا ضُرَّهُ إِلى غَيرِ رَحيمٍ
السيد بلال وهبي ـ لبنان ||

📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “لَيْسَ بِحَكيمٍ مَنْ شَكا ضُرَّهُ إِلى غَيرِ رَحيمٍ”
الحكيم هو الذي يفعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، والذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، وقيل: الحكيم هو ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، فإذا وُصِفَ المرء بكونه حكيماً فباعتبار علمه الذي يمنع عنه الجهل، وإذا وُصِفَ الفعل بأنه حكيم فباعتبار كونه مُتقَناً مَصوناً محفوظاً من الفساد.
مِمّا لا ينبغي للحكيم أن يشكو ضُرَّه إلى غير رحيم كما جاء في جوهرة الإمام أمير المؤمنين (ع)، ولكن كيف نفهم ذلك؟
العبارة تشير إلى أن الحكمة تتطلَّب معرفة الشخص المناسب الذي يمكن أن يُشكى إليه وأن الشكوى إلى شخص غير رحيم تعني أن الشاكي لا يمتلك الحكمة الكافية لاختيار الشخص المناسب الذي يُفضي إليه بما يعتلج في صدره، وما يشكو منه.
إن الشكوى حاجة إنسانية عامة فما من إنسان إلا ويشعر بضيق أحيانا، أو هَمٍّ يجثم على صدره، أو مصيبة تصيبه، أو ظلم يقع عليه من شخص آخر، أو مشكلة تعترضه ويحار في إيجاد حل لها، فيحتاج إلى أن يشكو ما يلمُّ به إلى شخص يثق به، ويطمئن إلى نُصحه، ويحفظ أمره، ويتضامن معه، ويرحمه، ويبادر إلى التخفيف عنه وتقديم العون إليه،
فإذا شكا أمرَه إلى شخص لا يتصف بهذه الصفات فإن معاناته تزيد بدلاً من أن تخفّ، والهَمّ الذي يرجو من شكواه أن يزيل يعظم ويكبر، والعَون الذي يؤمِّله لا يناله، والرجاء الذي يعقده على ذلك الشخص يخيب، لأن غير الرحيم سيتجاهل أمره، ويتركه وحيداً في ورطته دون أن ينهض إلى مساعدته، فمن المُهِمِّ أن يعرف المَرء إلى من يلجأ في أوقات الشدة والضِّيق، الشكوى إلى الشخص الخطأ قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتفاقم المشكلة.
إن هذه الجوهرة الكريمة تعكس حكمة بالغة في كيفية التعامل مع المشاكل والأزمات التي تواجه المرء وتضغط عليه، وتنبهه إلى ضرورة اختيار الشخص المناسب الذي يشكو إليه أمره ويبث إليه بشجونه ويطلعه على خصوصياته، ومن أهم مواصفات الشخص أن يكون رحيماً، حكيماً، صادقاً، ناصِحاً أميناً، يصون السِّر، ويحفظ الكرامة. ويتفَهَّم من يشكو إليه.
والدروس التي نستفيدها من هذه الجوهرة العلوية أن نُحسنَ اختيار من نشكو إليه، وأن نتأكد من تعاطفه معنا، واستعداده للاستماع إلينا، وتقديم النصح والعَون لنا، والاستعجال في الشكوى إلى شخص لا يتمتع بتلك الصفات قد يوردنا موارد الهَلَكة، ويوقِعنا في محذور نفرُّ منه، فما أكثر الأشخاص الذي يشكون أمورهم إلى آخرين فيبتزّوهم، أو يهتكون سترهم، أو ينالون من كرامتهم، أو يجعلون منهم ألعوبة في أيديهم، ويتحكَّمون في مصائرهم، ويحرفونهم عن جادة الصواب.
إن المؤمن يشكو أمره إلى الله الرحمان الرحيم، والله يهيئ له الأسباب ويجعل له مخرجاً من أمره ويعينه من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، وهذا واحد من مصاديق قوله تعالى: “…وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿2﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿3/ الطلاق﴾.
وهذا نبي الله يعقوب عليه وعلى نبينا محمد وآله آلاف الصلاة والسلام يقول: “…إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿86/ يوسف﴾. فهو لا يشكو لأحد إلا الله، لأنه يعلم أن الله يعلم حاله، ويعلم مصلحته، ويعلم متى يجعل له الفرج من أمره.
وجاء عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: “إذا ضاقَ المسلمُ فلا يَشكُوَنَّ رَبَّهُ عَزَّ وجلَّ، ولْيَشكُ إلى رَبِّهِ الذي بِيَدِهِ مَقالِيدُ الأُمُورِ وتَدبِيرُها” فالله تعالى مالك الملك كله، ومُسَبِّبُ الأسباب كلها، ويعلم مصلحة العبد الواقعية، وقبل ذلك وبعده يستره الله بأستاره، ويحفظ كرامته.
وبعد الله يشكو المؤمن أمره إلى شخص مؤمن رحيم حكيم يحفظه، ويخاف الله فيه، ويتجنَّب الشكوى إلى الكافر أو الفاسق الفاجر، وقد رُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: “مَنْ شَكَا الحاجَةَ إلى مُؤمنٍ فكأنّهُ شَكاها إِلَى اللَّهِ، ومَنْ شَكاها إلى كافِرٍ فكأنّما شَكا الله”
فجر يوم الجمعة الواقع في: 20/9/2024 الساعة (05:26)




