الثلاثاء - 23 يونيو 2026
منذ سنتين
الثلاثاء - 23 يونيو 2026

أمين السكافي (لبنان – صيدا) ||


الأيام وعقارب الساعة والأشهر والسنوات تتكرر، وكأنك في سباق مع الزمن. العمر كقبضة من رمل بحري ينسل من بين أصابعك. عندما كنت صغيرًا، كنت أرى من وصل إلى الكهولة أو سن العجز، وأفكر بأني لا أريد أن أصل لهذا العمر، وأصبح عاجزًا أو بطيء الحركة، أو تتملكني الأمراض، أو أصبح مصدرًا للشفقه. كنت أبيت النية أنني سأستشهد وأنا في الأربعين من العمر، وهذا عمر كافٍ لأعيشه، طبعًا كنت وقتها دون العشر سنوات.

اليوم وبعد مضي خمسين عامًا، نسيت أو تناسيت وعدي لنفسي، وبت أرقب اقتراب الستين والسبعين وكأني أشاهد نفسي متوجهًا نحو حافة الهاوية ولا سبيل لوقفها. أفكر اليوم بأني لم أكن ملماً بكل ما قد يحدث في حياتي. حين اتخذت قرارًا، كنت أنظر وقتها إلى جزء من الأحلام أو الأمنيات التي كان يتسع لها خيالي أو تفكيري، كالمهنة والزواج وإنجاب الأولاد وأحلام من هذا القبيل.

لم يكن في مخيلتي أن تستجد لي أمور لم تخطر ببالي سابقًا كالأحفاد. وقبلها رؤية أولادك يتخرجون من جامعاتهم إلى مجال العمل ويتزوجون. طبعًا لكل خطوة من هذه الخطوات متعة. مجيء العريس وأهله لطلب ابنتك متعة، وموافقتك التي تدخل السرور إلى قلب ابنتك هي أيضًا متعة. وتآلفك واندماجك مع عائلته وإحساسك بأن لديك إخوة جدد شيء رائع.

في نفس الوقت، ذهابك إلى منزل من يحب ابنك حيث وجد ضالته في ابنتك الجديدة التي انضمت وعائلتها لتكونوا عائلة واحدة مقربة. أن تنظر لأولادك وقد أصبحوا مسؤولين عن أنفسهم وعن نصفهم الآخر وعن منزل العائلة، وخصوصًا الكبار في العائلة، وأن تنتظر على أحر من الجمر أن ترى أحفادك قبل أن توافيك المنية وتسعد بهم وتقيم معهم أنشطة تصبح لهم ذكريات يروونها لأولادهم.

تعيش لحظات وأنت تمارس هواياتك المحببة إلى قلبك من كتابة وركوب خيل وقراءة وسباحة أو مشاهدة مسلسلك المفضل. أحلام قد تبدو بسيطة ولكنها تبقى أحلامي.
الموت لغز لم ولن يستطع أحد حله. فالبشرية ما هزمت بشيء كما هزمت بالموت. من يستسهل الموت اثنان: واحد مؤمن كفاية ويقوم بواجباته الدينية كاملة لأي دين انتمى، وآخر ملحد ينكر كل حياة بعد الموت.

أما المتأرجحون بينهم فهم أكثر من يخاف الموت. للموت طرق خاصة يفاجئ بها الإنسان؛ فقد يأتيك عن طريق حادث ما أو مرض عضال أو قد يأتي فجأة دون مقدمات. في لحظة أنت موجود وفي الثانية التي بعدها لم تعد موجودًا، وهذا النوع هو الأصعب على الأهل والأقارب.

أربعون ألفًا ويزيد هم شهداء غزة قبضت أرواحهم بفعل فاعل. أصبحنا نقول الرقم وكأنه عادي. في الوقت الذي يموت فيه أحدهم من الأهل أو الأقارب أو الأصدقاء نقيم له مأتمًا ونشارك بالدفن ونتقبل التعازي به ونوزع الطعام والشراب على روحه ونحزن عليه ونحاول أن نصبر أهله ببضع كلمات حفظناها.

لكن هؤلاء الغزاويين: من غسلهم وكفنهم؟ من دفنهم تحت التراب؟ من مشى بجنازتهم؟ من أقام لهم مأتمًا؟ من أتى ليعزي والكل في مصاب؟ فمن سيعزي من؟ هل بقي شيء للأحياء يأكل حتى يتم التوزيع على أرواح الشهداء؟ وإن كانت مئات العائلات أبيدت فمن سيتقبل العزاء بهم ومن سيحزن عليهم؟ أصبح الموت عددًا في غزة؛ الأموات يعزون الأحياء والأحياء يقفون ينتظرون دورهم الآتي لا محالة عسى أن يجدوا من يذرف عليهم دمعة أو من يترحم عليهم.

نتحدث دائمًا عن الأموات في غزة وكأن ليس بها إلا شهيد أو جريح، ولكن ماذا عن الأحياء في غزة؟ كيف يعيشون؟ ماذا يأكلون؟ حتى الماء كيف يحصلون عليه؟ ولنفرض أن الحرب انتهت، فماذا سيفعل عندها الغزاويون؟ كيف سيحيون ما مات من مشاعرهم وكيف سيكملون دروب الحياة؟

الانتظار صعب، فكيف إذا كنت تنتظر الموت ليلاً أو نهارًا جوعًا أم قصفًا؟ بما يشعر الغزاويون حقًا بالرغبة باللحاق بمن سبقهم أو ينتظرون حتى ينادي مناد السماء باسمهم؟ حتى السماء تعبت من الغزاويين وامتلأت بأرواحهم وصاحت الملائكة: “كفى! قد ملّ عزرائيل منا”. ورددت الملائكة مقالها منذ الأزل: “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك”، يقصدون أبناء القردة والخنازير.