الأربعاء - 24 يونيو 2026

نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم …!

منذ سنتين
الأربعاء - 24 يونيو 2026

السيد بلال وهبي ||

 

✋ “اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ”

**أورد* الطبري في تاريخه عن عبداللّه بن سليم والمذري بن المشمعلّ الأسديّين: ثُمَّ ساروا (الحسين (ع) ومن معه) مِنها (أي مِن منطقة شَرافِ) فَرَسَموا (أسرعوا في المشي) صَدرَ يَومِهِم حَتَّى انتَصَفَ النَّهارُ. ثُمَّ إنَّ رَجُلاً قالَ: اللّهُ أكبَرُ! فَقالَ الحُسَينُ (ع): اللّهُ أكبَرُ، ما كَبَّرتَ؟!
قالَ: رَأَيتُ النَّخلَ، فَقالَ لَهُ الأَسَدِيّانِ: إنَّ هذَا المَكانَ ما رَأَينا بِهِ نَخلَةً قَطُّ، قالا: فَقالَ لَنَا الحُسَينُ (ع): فَما تَرَيانِهِ رَأى؟ قُلنا: نَراهُ رَأى هَوادِيَ الخَيلِ، فَقالَ: وأنَا وَاللّهِ أرى ذلِكَ .
فَقالَ الحُسَينُ (ع): أما لَنا مَلجَأٌ نَلجَأٌ إلَیهِ نَجعَلُهُ في ظُهورِنا، ونَستَقبِلُ القَومَ مِن وَجهٍ واحِدٍ؟ فَقُلنا لَهُ: بَلى، هذا ذو حُسُمٍ (مكان) إلى جَنبِكَ، تَميلُ إلَيهِ عَن يَسارِكَ، فَإِن سَبَقتَ القَومَ إلَیهِ فَهُوَ کَما تُريدُ.
قالا: فَأَخَذَ إلَیهِ ذاتَ اليَسارِ، قالا: ومِلنا مَعَهُ، فَما كانَ بِأَسرَعَ مِن أن طَلَعَت عَلَینا هَوادِي الخَيلِ، فَتَبَيَّنّاها وعُدنا، فَلَمّا رَأَونا وقَد عَدَلنا عَنِ الطَّريقِ عَدَلوا إلَينا، كَأَنَّ أسِنَّتَهُمُ اليَعاسيبُ (جرائد النخل) وكَأَنَّ راياتِهِم أجنِحَةُ الطَّيرِ. قالَ: فَاستَبَقنا إلی ذي حُسُمٍ، فَسَبَقناهُم إلَیهِ، فَنَزَلَ الحُسَينُ (ع)، فَأَمَرَ بِأَبنِيَتِهِ فَضُرِبَت، وجاءَ القَومُ -وهُم ألفُ فارِسٍ – مَعَ الحُرِّ بنِ یَزیدَ التَّميمِيِّ اليَربوعِيِّ، حَتّی وَقَفَ هُوَ وخَيلُهُ مُقابِلَ الحُسَينِ في حَرِّ الظَّهيرَةِ، وَالحُسَينُ (ع) وأصحابُهُ مُعتَمّونَ مُتَقَلِّدو أسيافِهِم.
فَقالَ الحُسَينُ (ع) لِفِتيانِهِ: اِسقُوا القَومَ وأرووهُم مِنَ الماءِ، ورَشِّفوا الخَيلَ تَرشيفاً، فَقامَ فِتيانُهُ فَرَشَّفُوا الخَيلَ تَرشيفاً، فَقامَ فِتيَةٌ وسَقَوُا القَومَ مِنَ الماءِ حَتّی أروَوهُم، وأقبَلوا يَملَؤونَ القِصاعَ وَالأَتوارَ وَالطِّساسَ مِنَ الماءِ، ثُمَّ يُدنونَها مِنَ الفَرَسِ، فَإِذا عَبَّ فیهِ ثَلاثاً أو أربَعاً أو خَمساً عُزِلَت عَنهُ، وسَقَوا آخَرَ، حَتّی سَقَوُا الخَيلَ کُلَّها.
قالَ هِشامٌ: حَدَّثَني لَقيطٌ، عَن عَلِيِّ بنِ الطَّعّانِ المُحارِبِيِّ: كُنتُ مَعَ الحُرِّ بنِ یَزیدَ، فَجِئتُ في آخِرِ مَن جاءَ مِن أصحابِهِ، فَلَمّا رَأى الحُسَينُ (ع) ما بي وبِفَرَسي مِنَ العَطَشِ، قالَ: أنِخِ الرّاوِيَةَ -وَالرّاوِيَةُ عِندِي السِّقاءُ- ثُمَّ قالَ: يَابنَ أخِ، أنِخِ الجَمَلَ، فَأَنَختُهُ، فَقالَ: اِشرَب، فَجَعَلتُ کُلَّما شَرِبتُ سالَ الماءُ مِنَ السِّقاءِ.
فَقالَ الحُسَينُ (ع): اِخنِثِ السِّقاءَ -أي اعطِفهُ- قالَ: فَجَعَلتُ لا أدري كَيفَ أفعَلُ! قالَ: فَقامَ الحُسَينُ (ع) فَخَنَثَهُ، فَشَرِبتُ وسَقَيتُ فَرَسي.

ونبقى مع الحسين (ع) نمضي معه في مسيره إلى العراق حيث ينتهي به الحال محاصَراً من قِبَل الحُرّ بن يزيد في كربلاء، أرض الكرب والبلاء كما سمّاها حين وطئت أقدامه الشريفة أرضها، نبقى معه وفي كل موقف من مواقفه وحدث من الأحداث التي جرت عليه كان يرسم لنا مشهداً من مشاهِد النُّبل والسُّمُوِّ الأخلاقي، ويجَسِّد لنا القِيَم الأخلاقية الإنسانية في أصدق تجَسُّداتها، ويقدِّم لنا الإسلام في أنقى صوره وتمثُّلاته في الحياة، ولا عجَب، فالحسين هو الإسلام، والإسلام هو الحسين، كلاهما واحد، عنوانان لحقيقة واحدة، الإسلام فِكرة والحسين يجسِّدها في الحياة سلوكاً ومواقف.
ولقد كانت نهضة الحسين (ع) من أوِّلها إلى آخرها نهضة قِيَمِيَّة أخلاقية تهدف إلى تجسيد القِيَم الإلهية السامية في الحياة، وتهدف إلى صناعة إنسان أخلاقي، نهضة تُجَسِّد تلك القِيَم في أصعب المواقف وأكثرها حراجة، ليقول الحسين (ع) لنا: أن السلوك الأخلاقي تبرز قيمته في الأوقات الصعبة الحرِجة، ففي الرَّخاء يسهل على المرء أن يمارس سلوكاً أخلاقياً إذ لا شيء يضطرُّه إلى فعل العكس، أما في الأحوال الصعبة الحَرِجَة فلا ريب في أن الالتزام الأخلاقي يصبح صعباً على كثير مِنّا، في الأوضاع الطبيعية مع الآخرين من السهل أن يعاملهم بصدق، من السهل أن يكون لطيفاً معهم، من السهل أن يقدِّم لهم الضيافة ويهتَمَّ بهم، أما حين يكون الآخرون من أعدائك، حين يحاصروك ويُرَوِّعون أطفالك ونساءك ويهددوك بالحبس أو القتل ثم أنت تُصِرُّ على التعامل الإيجابي معهم، وتصِرُّ على أن تكون شهماً نبيلاً في تعاملك معهم فهذا أمر لا يوفَّق له إلا الحسين (ع) أو الحسيني في إيمانه والتزامه الأخلاقي.

هو ذا الحسين (ع) يرى الحُرَّ وجيشه قد جاؤوا من طرف ابن زياد معلنين الحرب، يريدون منعه من دخول الكوفة ولو أدّى ذلك إلى قتاله، فيسبقهم إلى مكان يراه آمِناً، حتى إذا جاء القوم لم يكتفِ بالترحيب الكريم بهم بل يأمر فتيانه بأن يُسقوا لهم خيولهم، وهي التي سيمتطون ظهرها حين يقاتلوه ليقتلوه، وعمّا قريب سيمنعون الماء عنه وعن عياله، بل يزيد على ذلك أن يطلب منهم أن يُرَشِّفوها، أي يُسقوها القليل من الماء حفاظاً على سلامتها، ويطلب من فتيانه أيضا أن يُسقوا القوم كذلك، والقوم ما جاؤوا أولياء له بل أعداء، ولا يقتصر الحال على فتيانه بل يقوم هو بنفسه لسقاية بن الطَّعّان المُحارِبِيِّ وفَرَسِه.
فأيُّ خُلُقٍ أسمى من هذا الخُلُق، وأيُّ نُبلٍ أرفَع من هذا النُّبل.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 16/7/2024 الساعة (03:43)