عادات يمنية متوارثة مرتبطة بالحج والحجاج منها «المدرهة»..!
محمد علي الحريشي ـ اليمن ||
.
للحج قدسية ومكانة خاصة في نفوس اليمنيين، وهناك عادات وتقاليد حميدة متواراثه وطقوس مرتبطة بالحاج من يوم خروجه من منزله قاصداً الحج حتى يوم وصوله عائداً من المشاعر المقدسة، وتستمر الطقوس ملازمة للحاج بعد عودته إلى منزله لعدة أيام، فعند ما يستعد الحاج للسفر إلى المشاعر المقدسة يجتمع أبناء قريته وأصدقاءه من القرى المجاورة في منزله أو في مجلس عام بقريته (ديوان أو صالة إجتماع) ويسمى إجتماع توديع الحاج باللهجة اليمنية «مجابرة الحاج» ومع رحيل أول الحجاج من القرى والمدن اليمنية يتم عمل «المدرهة» وهي حبل طويل يربط طرفيه العلويين بجذع مرتفع من شجرة كبيرة أو يتم ربطه على عمود من الحديد أو الخشب، ويربط طرفيه السفليين بخشبة يجلس عليها الشخص أو يقف على قدميه ويمسك بكلتا يدية في أطراف الحبل ويدفع بالشخص الذي «يتدره» إلى الإمام والخلف في حركات متواصلة، وللمدرهة في الثقافة الشعبية اليمنية معاني ودلالات كبيرة ، فهي تقام في كل قرية وفي حارات وأحياء المدن ،يبدأ إقامة المدرهة مع دخول أول يوم في شهر ذي الحجة قد يقدم الموعد أو يؤخر وهي مرتبطة بالحجاج ومرتبطة بعيد الأضحى المبارك، مرتبط بالمدرهة لون خاص ومتميز من الوان الثقافة الأدبية الشعرية الشعبية اليمنيه ذات الألحان الجميلة، الذي يجمع بين المقاطع الشعرية الشعبية وألالحان الموسيقية الصوتية الخاصة،وهي تشبه الشعر الغناءي الذي يعبر عن الحنين إلى المشاعر المقدسة ووصف حالة فراق الحاج لبلاده وغربته،ففي كلمات موال المدرهة حنين ووصف ومديح، عندما يستمع الجميع إلى موال المدرهة بصوت متميز ولحن بديع،يذهب الجميع بمشاعرهم ووجدانهم إلى المشاعرالمقدسة،هذا اللون الشعري الغناءي له دلالات روحية كبيرة ومؤثرة في نفوس ومشاعر اليمنيين خاصة الذين لهم أقارب ذهبوا إلى الحج فعندما يسمعون كلمات ولحن موال المدرهة، تنهمل الدموع من العيون وتصعد النهدات من خلجات الصدور، تؤدى طقوس المدرهة التي يتجمع حولها الأطفال الصغار والشباب وحتى كبار السن إلى وصول الحاج إلى أهله وربعه فيتحول الجو النفسي العام من توق وحنين وعبرات تنزل من الجفون إلى أفراح ومسرات تعبر عنها دقات الطبول والبرع(الرقص) الشعبي عندما تستقبل الجموع الحجاج بمراسيم فرائحية جماعية،فترى المواكب تشق الطرقات وشوارع المدن وهي تستقبل وفود الحجاج وتشتعل الأجواء بالالعاب النارية وزخات الرصاص الحي في الهواء،ويزف موكب الحاج والعيون إليه شاخصة والأذان صاغية، تسمع منه قصة حجه وكيف أدى مناسك الحج وقصص تروى عن مختلف الأجناس البشرية وتعدد اللغات،يسير موكب الحاج إلى منزله وسط جلبه كبيرة تختلط فيها أصوات المفرقعات النارية مع دقات الطبول والزوامل الشعبية مع أصوات طلقات الرصاص وزغاريد النساء مع فرح الأطفال وهم يتسابقون على نيل هدايا الحاج من الكوافي والمسابح، وهكذا يعبر اليمنيون عن مدى حبهم وتقديسهم للحج وتبجيلهم للحاج الذي رجع من الحج وهو في صورة بهية تتجلى فيها السمات الإيمانية،وتستمر الحكايات والطقوس عقب وصول الحاج إلى قريته حيث تقام الولائم وتمد الموائد ويتسابق وجهاء القوم والأقارب لضيافة الحاج، ورغم ضروف الحرب والحصار وقلة الحال حافظ اليمنيون على هذه العادات الحسنة، فتراهم هذه الأيام يستقبلون مواكب الحجيج ويذبحون الذبايح ويولمون الولائم بكرم وسخاء وحب وصفاء لأن القلوب كلها تحمل مشاعر تقديس ركن من أركان الإسلام،فكل ماذكرنا يقوم به اليمنيون في جانب كبير منه هو تقديس وتعظيم لشعائر الله، ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب،وهنا تتجلى الحكمة اليمانية في صورة ناصعة يجسدها اليمنيون بروحياتهم ونفسياتهم ومشاعرهم وسلوكهم فالإيمان يمان والحكمة يمانية.




