السبت - 20 يونيو 2026

رفع العلم..شاب يتحدث عن نفسه..!

منذ 3 سنوات
السبت - 20 يونيو 2026


خالد غانم الطائي ||

كنت شابا وحيدا لوالدي مدللا حيث لم يرزقا بغيري..وكنت طائشا لااعرف معنى المسئولية ولم اكن ملتزما دينيا..وعمل والدي الكثير معي لكي اقلع عن الصفات غير المحموده وابعادي عن اصدقاء السوء ولكنهما لم يفلحا ولم يكن لهما سلاح غير الدموع والدعاء..وعلى اثر ذلك كنت من المترددين على المقاهي واماكن اللهو وكنت كثير السهر ولا استفيق من النوم الا متاخرا..
افعل مايخطر ببالي من دون الاخذ بنظر الحسبان ما ستئول أليه تلك التصرفات غير المسئولة من نتائج سلبية وعدم احترام لمشاعر واحاسيس الآخرين من حولي..
وفي احد الايام وبينما كنت جالسا كعادتي في احد المقاهي احتسي الشاي وفي احدى يدي سيكارة مشتعلة قد قاربت على النفاد وحولي اصدقاء السوء قد تعالت منهم الاصوات والالفاظ البذيئة..نلهو ونلعب بـ(الدومينو) من دون احترام للمارة الذين يسيرون امام المقهى من نساء ورجال واطفال..واذا بصوت انفجار سيارة مفخخة قريبة من المقهى وعلى اثره تحطم زجاج المقهى وانبعث دخان اسود الى داخله بحيث لم يستطع ان يرى احدنا الآخر من كثافة الدخان..لا اسمع سوى صراخ المرتادين للمقهى وانينهم..فهلعت الى خارج المقهى كي ارى ولو بصيصا من النور ولم اسأل عمن حولي ولم ابادر لمساعدة اي شخص بل خرجت بمفردي,…
وعندها رأيت حريقا هائلا من جراء ذلك الانفجار وقد طال هذا الحريق حتى المحال المجاورة للمقهى ولما فتحت عيني رأيت دماءالشهداء ..والدماء تسيل من يدي لكنها لم تعيقني عن السير فسرت وانا مذهول مما ارى…
,جثث محروقة,صراخ يطلب النجدة والاستغاثة,بكاء وعويل,الارض اصطبغت بلون الدم ,ايدي متناثرة هناك,وقدم هناك,رؤوس ليس لها اجساد وكأنني كنت في عالم وخرجت الى عالم آخر, احسست بأن هذه نهاية الدنيا ولاحياة بعدها ,وفيما كنت انقل خطواتي ولا اعرف اين اضع قدمي لاتجنب هذه الاشلاء على الارض واذا بي قد اصطدمت بامرأة مذهولة وتسيل الدماء من جبهتها فلم تعير اهمية لهذا الاصطدام كأنها تبحث عن شيء مفقود ,عيناها في الارض تبحث بين الجثث ,فقلت لها
:انك تنزفين توقفي لكي يأتي المسعفون لأسعافك ,فلم تجبني فأمعنت النظر اليها واذا بالدموع قد سبقت الدم الى خديها..كررت عليها قولي مرة اخرى فأجابتني بكلمة واحدة:ابنتي….
فادركت بأنها فقدت ابنتها وانها تبحث عنها علها تجدها حية او مصابة فتسعفها ..فقررت ان اساعدها وابحث معها ,فقلت لها: صفيها لي لكي اساعدك في البحث عنها..فأجابتني:كانت ممسكة بيدي وطلبت ان اشتري لها حلوى فلما اشتريت لها حدث الانفجار ولم اراها بعد ذلك..هي ابنتي الوحيدة اسمها ملاك , فقلت لها: ماذا كانت ترتدي؟
فردت علي:فستان احمر..وبدأت تناديها :ابنتي اين انت؟
ملاك ياحلوتي؟ فبكيت (انا) ولأول مرة في حياتي ابكي!
لقد هزني ذلك الموقف وهذا الصوت المفعم بالحزن واحسست بألم يضرب اعماقي ولم استطع ان اتمالك نفسي..وسألت نفسي: أهكذا هي الام؟ شلال مشاعر واحاسيس يتدفق بالحنان لقد رأيتها واحسست بها,فتسائلت اين انا من امي!
وفيما كنا نبحث رأيت دمية صغيرة قد غطاها غبار الانفجار والدم فأخذتها ومسحت ما عليها واذا بالام الهلوعة قد خطفتها مني وقالت:
هذه دمية ابنتي الحبيبة ولكن اين هي؟ فبدأت تخاطب الدمية وتسألها عن صاحبتها واذا برجل قادم من بعيد علمت بعد برهة من الزمن بأنه زوجها يحمل بيديه بقايا طفلة صريعة لما رأتها الام اغمي عليها فسارع الناس والمسعفون اليها وحملوها وابنتها بعيدا عن موقع الانفجار..
سرت بعيدا عن مكان تلك الفاجعة وهذا المشهد يتكرر امام ناظري واذا بصوت حنون يناديني: ولدي أأنت حي ؟ .. حبيبي انت حي ؟ ..لقد كانت امي..فاحتضنتها ورحت ابكي وهي تبكي الى ان وقعنا على الارض ..
وبعد هذا تغيّر كل شيء في حياتي ابتعدت عن اصدقاء السوء والمقاهي وكلما يجعلني انسانا سيئا وأتجهت نحو طاعة الله تعالى وتهذيب النفس وكنت اقبل يدي امي وابي واطلب منهما ان يغفرا لي ما تقدم من سوء خلقي وسلوكي..وهما يشكران الله تعالى على استجابته لدعائهما وفي الوقت نفسه قررت ان انخرط في صفوف الحشد الشعبي المقدس…
لأدافع عن ارض وطني ومقدساتي وان اخذ بثأر تلك الطفلة التي لم تفارق خيالي ابدا وفعلا اصبحت احد مقاتلي الحشد الشعبي وكانت لي علاقات طيبة مع اخوتي المقاتلين ولاسيما صديقي و (اخي الذي لم تلده امي) اسمه كرار ..مقاتل شجاع لايهاب الموت..ملتزم دينيا , كان قد درس العلوم الدينية فصرت ظله الذي لا يفارقه..احببته في الله فتعلمت منه كل مااريد ان اتعلمه..علمني كيف اكون مخلصا ومتوكلا على ربي الوكيل في كل شيء, وكيف اكون صادقا مع نفسي ومع الآخرين,وكيف اقدس امي وابي وان احب وطني وديني ومقدساتي وان اسعى لعمل الخير للناس جميعا..فأصبح كرارا مثلي الاعلى..لاافعل شيئا حتى استشيره ..احب ان اسمعه ما يجول بخاطري من افكار او اسئلة تحيرني فيجيب عليها..
وفي يوم من الايام ابلغونا بأننا سنقوم عند الفجر من اليوم التالي بهجوم لتحرير قضاء قد احتله الارهابيون(الدواعش) وكانت مهمتنا هي:تحرير مجلس القضاء واطلاق سراح العوائل المحتجزة التي جعل منها الاعداء دروعا بشرية.. وفعلا تأهبنا واعددنا العدة وتوكلنا على الله”عز وجل” وبدأت عملية التحرير ..
في البدء واجهنا مقاومة ولكنها جبانة باءت بالفشل,واستطعنا ان نحرر ذلك القضاء بشجاعة وهمة وبسالة نابعة من ايمان راسخ بحتمية ووجوب تحرير كل شبر مغتصب من وطننا,وبنصر من الله – تبارك اسمه – دخلنا بناية المجلس وقتلنا من قتلنا فيها ..
وحررت العوائل المحاصرة,وشعرنا بالفرح الغامر بالتحرير وجاءت لحظة رفع العلم العراقي على هامة البناية..فقلت لهم: ارجوكم دعوني انال شرف رفع العلم, وقال جندي آخر مثل قولي..وآخر توسل ان يفعلها..ولكن احد المقاتلين ممن كان له باعًا طويًلا في المعارك والقتال قال: على رسلكم نحن لم نتأكد بأن المناطق المحيطة بنا قد تم تحريرها نهائيا..فقد تكون هناك جيوب فيها جرذان داعشية لم تحرر بعد وقد يكون هناك قناصين من العدو في بناية اخرى لم يعالجوا ويقضى عليهم, فقلت: لاابالي فأن رفعنا العلم على هذه البناية الرئيسة عندها سيكون اعلانا بأن القضاء قد حرر واننا قد انتصرنا..
فقال لي: انت تخاطر بحياتك والامر ليس سهلا علينا فقال صديقي كرار: لدي فكرة! انا ارفع العلم وانتم انتشروا على سطح البناية فأن رأيتم حركة مريبة للعدو فبادروا بالرد عليها , ونظر ألي وقال: انا وانت واحد أليس كذلك يااخي؟
فتلعثمت لا اعرف ماذا اقول فقال المقاتلون الشجعان: هو كذلك ننتشر اولا وبعد ذلك يتم رفع العلم وبعد الانتشار لم تواجهنا اي اطلاقات نارية وبدأ صديقي كرار برفع العلم وما اجمل تلك اللحظة واسعدها وما اطيب وألذ ثمرة الانتصار وبعد الانتهاء من رفعه ونظرنا اليه وهو يرفرف واذا بطلة نارية غادرة تخترق صدر كرار فبادرنا بالرد على مطلقها فأصبناه وهوى قتيلا من اعلى البناية الى الارض فأسرعت الى كرار صارخا:اسرعوا :
اسعفوه.نادوا المسعف فنظرت اليه واحتضنته فطالعني مبتسما ومتكلما بهدوء وصعوبة:هذا ما كنت اتمناه ان القى ربي شهيدا ,
فخاطبته:لا تتركني وقد امتزجت دموعي بدمائه وقلت:لقد كنت متوقعا لهذا عندما افتديتني بنفسك,لاتذهب,ارجوك,سيسعفونك وتعيش,لاطاقة لي بفراقك, هو يبتسم وانا ابكي, اراد ان يمسح دموعي من خدي واذا به يفارق الحياة شهيدا سعيدا قررت ان اذهب بجنازته الى اهله واخبرهم بالحال, وعندما وصلت وطرقت الباب, خرج لي رجل كبير السن ابيض اللحية والشارب تبين انه ابوه,فلما رأني واقفا ابكي لم
انطق بكلمة قال: استشهد كرار؟ فعانقته وعانقني وبدأ يهتف ياشهيدا هنيئا لك الجنة وخرجت على اثره امرأة ذات هيبة ووقار ..لقد كانت امه وقالت:رحل كرار وتركني فقلت لها: قبل استشهاده أوصاني ,فالتفت ألي تريد سماع كلماته الاخيرة وبأي شيء اوصاك..

أجبتها: لقد اوصى الشباب بالالتفات الى دينهم والى ما ينفع بلدهم وضرورة الدفاع عنهم وان لا يبخلوا بالنفس والنفيس من اجله والى التزود بالعلم ومرافقة القرآن الكريم والعترة الهادية المهدية ( عليهم الصلاة والسلام ) .
فأجابتني ام الشهيد : نعم ما اوصاك انني لا احزن .. انظر الى ذلك الكيس من الحلوى سأنثره على جنازته لأنني لا احسب هذا اليوم يوم وفاته بل يوم زفافه شهيدا..


ــــــــــــــــــــــ