قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿سورة المائدة: 25﴾..!
✍ السيد بلال وهبي ||

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿سورة المائدة: 25﴾.
لا يكفي أن يكون القائد على حق، أو أن يكون ربّانيًا مُلهَماً مُسدَّدا، لكي ينجح في تحقيق أهدافه، بل يحتاج إلى أنصار يلتفون حوله، يحملون الهم الذي يحمله، ويتحمّلون مسؤوليتهم التاريخية بجدارة، ويؤدون تكاليفهم بقناعة وشوق. كما يحتاج إلى بيئة حاضنة تؤمن به وبأهدافه، وتفهمه، وتحتضن حركته، وتوفِّر له ولأنصاره الحماية والرعاية، وتدافع عن مشروعهم وتعتبره مشروعها.
يكشف ما حكاه القرآن عن موسى (ع): ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أن الحق قد يكون واضحًا، والقيادة نبوية، والتوجيه إلهيًا، ومع ذلك يُخفق القائد في تحقيق أهدافه حين ترفض الجماعة التي يقودها أن تنهض بما يقتضيه الإيمان من طاعة وعزم وتضحية.
لقد جاءت هذه الآية الكريمة في سياق قصة موسى (ع) وقومه حين أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة، ومواجهة ما اعترض طريقهم من مخاوف، لكنهم تراجعوا ورفضوا الاستجابة، حتى قالوا لموسى (ع): ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ﴿سورة المائدة: 24﴾. فلم تكن المشكلة عدم اقتناعهم بالهدف، ولا افتقادهم للقيادة الحكيمة الرشيدة، بل كانت في موقفهم من التكليف حين انتقل الأمر من ساحة الكلام إلى ميدان العمل، ومن الإيمان المعلَن إلى الاستعداد لتحمّل تبعاته.
لقد عاش قوم موسى تجربة مريرة تحت حكم الطاغية فرعون، وعاشوا كذلك تجربة النجاة منه بقيادة موسى (ع)، وشهدوا تأييده بالمعجزات الباهرة. لكنهم لم يستطيعوا أن يحوّلوا ما عاشوه من تجارب إلى إرادة عملية يواجهون بها المرحلة الجديدة وما تفرضه من واجب عليهم. لقد رفضوا امتثال أمر الله على الرغم من يقينهم أنه لمصلحتهم، ورفضوا النهوض مع قائدهم وهو الذي أنجاهم الله به، وآثروا القعود منتظرين أن يقاتل موسى عنهم، ويتولى أمر المواجهة وحده، فإذا أنجز المهمة وتحقق الهدف ساروا معه، وإذا أخفق كفاهم ذلك التضحيات والأثمان التي لم يكونوا مستعدين لدفعها.
لقد أضحى موسى (ع) وأخوه وحيدين، كلاهما يتحملان المسؤولية ويمضيان إلى حيث أمر الله تعالى، بعد أن تركهما قومهما، وها هو يرفع شكواه إلى الله، قائلًا: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾. إنها عبارة موجعة، لأنها تكشف المسافة بين المهمة التاريخية التي عُهد بها إلى موسى وقومه، وضآلة الاستجابة لها.
وقد تناول المفسرون دلالة قوله: ﴿وَأَخِي﴾ على وجوه، منها أن موسى لا يجد من يثق بثباته على الطاعة إلا نفسه وأخاه هارون، ومنها أن المقصود أنهما يملكان أمر نفسيهما في الامتثال، في مقابل قوم رفضوا الانقياد. ولا يلزم من العبارة أن موسى كان ينكر وجود مؤمنين آخرين من قومه، فالسياق يذكر قبل ذلك رجلين من الذين يخافون الله، حثّا قومهما على الدخول. لكن جوهر الموقف واضح: لم يكن لدى موسى من الأنصار المستعدين لتحمّل التكليف ما يتناسب مع حجم المسؤولية التي أُمر بها قومه.
وهنا تبرز حقيقة ينبغي أن يفهمها المؤمنون في عصرنا هذا وفي كل عصر، فالقائد، مهما كان صادقًا في دعوته، لا يستطيع أن يحوّل أفراد الجماعة إلى قوة فاعلة بدلًا عنهم، ولا أن يحمل عنهم جميعًا مسؤولياتهم، ولا أن يحقق أهدافًا تتطلب مشاركتهم إذا اختاروا هم القعود والامتناع. قد يكون القائد مُلهَمًا ومسدّدًا من عند الله يملك رؤية واضحة، ومنهجًا صحيحًا، وقدرة فائقة على التوجيه، لكنه لا يملك أن يجبر الآخرين على أمر لا يريدونه، أو يريدونه لكنهم لا يريدون أن يدفعوا كلفة تحقيقه، ولا يمكنه كذلك أن ينجز بمفرده كل ما يتوقف إنجازه على تعاونهم.
وإذا كان هذا هو الدرس الذي تكشفه القصة في شأن موسى (ع) وهو من أولي العزم، ومؤيد من الله، فإن الحاجة إلى أنصار صادقين في سائر ميادين الإصلاح والعمل الجماعي تتضح أكثر. فقداسة الهدف لا تُغني عن وجود من يحمل أعباءه، وعظمة القيادة لا تلغي مسؤولية الجماعة.
✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الخميس الواقع في:29/10/2026 الساعة (04:45)



