الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والخوف من العدالة..!

الأربعاء - 28 اكتوبر 2026

الشيخ أكبر علي الشحماني ||

 

 

‏
‏دراسة سياسية وفكرية في العلاقة بين السلطة والعدل وحقوق الشعوب
‏
‏المقدمة
‏
‏تُعدّ العدالة من أهم الأسس التي تقوم عليها الدولة المستقرة، فهي الضمانة الحقيقية لحماية حقوق المواطنين، وتحقيق المساواة أمام القانون، ومنع احتكار السلطة والثروة والنفوذ. غير أن العلاقة بين بعض الأنظمة الحاكمة والعدالة قد تتحول إلى علاقة متوترة عندما تصبح المحاسبة تهديدًا لمصالح سياسية أو اقتصادية راسخة.
‏
‏إن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تنظر بعض السلطات إلى المطالبة بالعدالة والإصلاح والمحاسبة بوصفها مصدرًا للقلق، بدلًا من اعتبارها فرصة لتعزيز شرعيتها وثقة الشعب بها؟
‏
‏إن الإجابة لا تكمن في تعميم الحكم على جميع الدول العربية أو افتراض أن كل نظام يخشى العدالة، بل في دراسة طبيعة الحكم، ومدى استقلال القضاء، وحرية التعبير، وإمكانية تداول السلطة، وقدرة المواطنين على محاسبة المسؤولين دون خوف أو انتقام.
‏
‏أولًا: لماذا قد تخشى بعض الأنظمة الحاكمة العدالة؟
‏
‏1\. العدالة تهدد امتيازات السلطة
‏
‏عندما تتركز القرارات السياسية والاقتصادية في أيدي مجموعة محدودة، وتضعف الرقابة على المسؤولين، تصبح العدالة الحقيقية اختبارًا لقدرة النظام على قبول المحاسبة. فالقضاء المستقل يستطيع التحقيق في الفساد، ومراجعة القرارات الحكومية، ومحاسبة المسؤول مهما كان موقعه.
‏
‏وفي هذه الحالة، قد تنظر الجهات المستفيدة من غياب الرقابة إلى الإصلاح القضائي باعتباره تهديدًا لمصالحها، لا لأنه يضر بالدولة، بل لأنه يحدّ من قدرتها على التصرف دون مساءلة.
‏
‏2\. الخوف من وعي الشعوب ومطالبها
‏
‏الشعب الذي يعرف حقوقه، ويدرك قيمة صوته، ويطالب بالمساواة والشفافية، يصبح أكثر قدرة على مراقبة أداء السلطة. ولذلك فإن تقييد حرية التعبير أو التضييق على الصحافة والمجتمع المدني قد يحرم المواطنين من وسائل مهمة لمحاسبة المسؤولين.
‏
‏لكن الوعي الشعبي لا يعني بالضرورة الصدام مع الدولة؛ بل يمكن أن يكون أساسًا لبناء مؤسسات قوية تحمي الحقوق وتمنع الفساد.
‏
‏3\. الفساد والمحاسبة السياسية
‏
‏إن مكافحة الفساد لا تتحقق بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى مؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء نزيه، وإجراءات قانونية تطبق على الجميع دون استثناء.
‏
‏وعندما تغيب هذه الضمانات، قد تتحول المحاسبة إلى أداة انتقائية تستهدف الخصوم وتتجاهل المقربين. وهنا تفقد العدالة معناها، ويتراجع إيمان المواطنين بمبدأ المساواة أمام القانون.
‏
‏4\. الخوف من تداول السلطة
‏
‏تداول السلطة والمنافسة السياسية السلمية يتيحان للمجتمع تقييم الحكومات ومحاسبتها عبر المؤسسات الدستورية والانتخابات. أما عندما تضيق فرص المنافسة أو تضعف الرقابة البرلمانية، فقد تتحول المحافظة على النفوذ إلى أولوية تتقدم على الإصلاح.
‏
‏ومع ذلك، لا يمكن اعتبار كل حكومة تسعى إلى الاستقرار خائفة من العدالة؛ فالمعيار الحقيقي هو مدى احترامها للقانون، وقبولها بالنقد، واستعدادها للخضوع للمحاسبة.
‏
‏ثانيًا: ماذا تقول المؤشرات الدولية عن واقع سيادة القانون؟
‏
‏تشير بيانات مشروع العدالة العالمي إلى وجود تحديات واسعة في مجال سيادة القانون عالميًا، ومنها ضعف القيود المؤسسية على السلطة التنفيذية والتراجع في بعض الحريات المدنية. وفي تقرير عام 2026، أشار المشروع إلى تراجع سيادة القانون في 62% من البلدان التي شملها المؤشر.
‏
‏كما وثّقت تقارير حقوقية مشكلات تتعلق بحرية التعبير واستقلال القضاء في بعض الدول العربية، مع اختلاف الأوضاع من دولة إلى أخرى. وتعرض تقارير حقوق الإنسان الخاصة بالعراق والإمارات أمثلة على هذه التحديات، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار حكم موحد على جميع الأنظمة العربية.
‏
‏وهذه المؤشرات مهمة لأنها تنقل النقاش من الاتهامات العامة إلى أسئلة قابلة للفحص: هل يستطيع المواطن مقاضاة مسؤول حكومي؟ هل تعمل أجهزة الرقابة باستقلال؟ وهل يستطيع الصحفي كشف الفساد دون التعرض لعقوبة غير مشروعة؟
‏
‏ثالثًا: العدالة ليست عدوًا للدولة
‏
‏من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن قوة الدولة تعني إطلاق يد السلطة دون قيود. فالدولة القوية ليست تلك التي تمنع النقد، بل التي تستطيع تصحيح أخطائها ومحاسبة مسؤوليها وفق القانون.
‏
‏فالعدالة تحمي الحاكم والمحكوم، وتمنع الانتقام السياسي، وتحد من استغلال النفوذ، وتمنح المؤسسات شرعية قائمة على احترام الحقوق. أما غيابها، فقد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتراكم المظالم، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
‏
‏ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يقوم على إسقاط مؤسسات الدولة أو إضعافها، بل على بناء مؤسسات مستقلة وقادرة على حماية المواطنين من التعسف، وحماية الدولة من الفساد وسوء الإدارة.
‏
‏رابعًا: هل تخاف الأنظمة العربية من العدل؟
‏
‏لا يصح تعميم هذا الحكم على جميع الأنظمة العربية؛ فالدول تختلف في أنظمتها السياسية ودساتيرها ومؤسساتها ودرجة احترامها للحقوق. لكن يمكن القول إن أي سلطة، عربية كانت أم غير عربية، قد تقاوم العدالة عندما تتعارض المحاسبة مع مصالح أصحاب النفوذ أو تكشف إساءة استخدام السلطة.
‏
‏والسؤال الأهم ليس ما إذا كانت السلطة تعلن احترامها للعدالة، بل ما إذا كانت تقبل تطبيقها على نفسها وعلى المقربين منها، كما تطبقها على بقية المواطنين.
‏
‏فالعدالة الحقيقية تظهر في المواقف الصعبة: عندما يُحاسَب مسؤول نافذ، وعندما يُنصف مواطن ضعيف، وعندما يُسمح للمعارضة السلمية بالتعبير، وعندما يصبح القانون أعلى من المصالح الشخصية والحزبية.
‏
‏الخاتمة
‏
‏إن العلاقة بين السلطة والعدالة تمثل أحد الاختبارات الأساسية لشرعية الحكم واستقرار الدولة. فالسلطة التي تستمد قوتها من القانون وثقة المواطنين تستطيع التعامل مع النقد بوصفه وسيلة للإصلاح، بينما قد ترى السلطة التي تعتمد على احتكار النفوذ وغياب المحاسبة في العدالة تهديدًا لمصالحها.
‏
‏ولذلك، فإن مستقبل المجتمعات العربية لا يتوقف على تغيير الأشخاص وحدهم، بل يتطلب بناء مؤسسات تضمن استقلال القضاء، ومكافحة الفساد، وحماية حرية التعبير، وتحقيق المساواة أمام القانون.
‏
‏فالعدل لا يُضعف الدولة، بل يحميها من الظلم والفساد. ولا تكون هيبة الحكم في خوف الشعب من السلطة، وإنما في ثقة الشعب بأن السلطة لا تستطيع أن تظلمه دون محاسبة.
‏
‏