الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026
منذ ساعة واحدة
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

مجيد الكفائي ||

 

 

لم يكن مؤلف مسلسل “العرّاف” بحاجة إلى كثير من الخيال حين رسم شخصية عبد الحميد البكري مرشح الرئاسة الذي يتلوّن مع الظروف ويغيّر أقنعته كلما تغيّر الزمن.
فهذه الشخصية وإن كانت درامية تبدو وكأنها وجدت لها نسخاً عديدة في الواقع العراقي.
في عراق ما بعد التغيير لم يعد غريباً أن يتحول بعض الذين لا يُعرف لهم تاريخ سياسي واضح إلى مناضلين ومجاهدين وأن ينتقل آخرون من هامش الحياة إلى واجهة المشهد السياسي ثم يصبحوا بين ليلة وضحاها محللين أمنيين وخبراء استراتيجيين يتحدثون بثقة عن الدولة ومصيرها وكأنهم كانوا يصنعون التاريخ لا يراقبونه من بعيد.
وكما أوحى العرّاف فإن لكل زمن سلاحه ففي زمن كان فيه الصراخ ضد الحكومة طريقاً إلى الشهرة وفي زمن آخر أصبح الكلام في السياسة والأمن بوابةً إلى الظهور والوجاهة.
تتبدل الشعارات وتتغير المواقع لكن القدرة على التكيّف تبقى هي القاسم المشترك.
المشكلة ليست في أن يغيّر الإنسان موقفه فالمراجعة حق والسياسة بطبيعتها متغيرة إنما المشكلة حين يصبح الموقف سلعة والمبدأ قناعاً والخبرة لقباً يُمنح بلا سجلٍّ يثبتها وحين تتحول معاناة الناس إلى فرصة للصعود لا مسؤولية تستوجب المحاسبة.
في العراق، لم يعد السؤال: من أنت؟ بل أصبح: ما اللقب الذي تحمله اليوم؟ ومن أي نافذة دخلت إلى المشهد؟ وما الذي قد يحمله لك الغد؟
في العراق لم يعد السؤال:
من أنت؟ بل من أي نافذة دخلت إلى المشهد وأي موقع ينتظرك غداً؟
هناك أناسٌ مع رئيس الحكومة ما دام في المنصب مستشارون له ومروّجون لنهجه فإذا تغيّر الرئيس تبدّلت وجهتهم وانتقلوا إلى ضفة الحاكم الجديد مستشارين له بالقدر نفسه وكأن الولاء لا يتبع مبدأً أو مشروعاً، بل يتبع الكرسي أينما استقر.
إنها براعة التكيّف مع السلطة حيث تتبدل المواقف ولا تتبدل المصالح ويغدو المنصب غاية والمبدأ تفصيلاً مؤجلاً.
هنا تتجاوز الدراما حدود الشاشة ويصبح الخيال أقرب إلى الواقع فعبد الحميد البكري وإن كان شخصية من صنع المؤلف فإن نماذجه تبدو حاضرة في المشهد العراقي تتقن تبديل الأقنعة وتغيير الخطاب والانتقال بين المواقع وفقاً لموازين المصالح.
وهنا يبرز السؤال:
يا تُرى كم عبد الحميد البكري لدينا في العراق؟ وكم من شخصية تتبدل مواقفها بتبدل الحكومات وتعيد صياغة ماضيها بما يلائم حاضرها وتستعد لكل مرحلة بقناع جديد؟
العرّاف الحقيقي ليس من يتنبأ بما سيأتي، بل من يعرف كيف يضمن لنفسه مكاناً مهما تبدّل القادمون إلى السلطة.