الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

رئيس الأركان زامير سينهي حياة نتنياهو السياسية..!

الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

عدنان علامه – عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين ||

 

 

 

إن رفض رئيس الأركان لأمر رئيس الحكومة بشن عدوان على إيران، يلمس واحدة من أكثر القضايا حساسيات وتعقيدًا في تاريخ العلوم السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وهي حدود العلاقة بين “المستوى السياسي” (رئيس الحكومة/الكابينت) و”المستوى العسكري” (رئيس أركان الجيش).

غتحليلي وتحليل التقارير المسربة يضع اليد على نقطة تحول جيو-سياسية وعسكرية في غاية الخطورة؛ فالتمرد العملياتي أو “المقاومة المؤسسية” من رئيس الأركان أيدال زامير (أو أي رئيس أركان إسرائيلي) تجاه قرار بالحجم الاستراتيجي لضرب إيران يُعد زلزالاً في عقيدة الأمن القومي الإسرائيلي.

ف​ليكون تحليلنا عميقاً وشاملاً، دعنا نفكك هذا الموقف الاستثنائي من عدة زوايا:

​1. البعد القانوني والدستوري (لماذا اشترط زامير توقيع كافة الوزراء؟)

​في إسرائيل، يُحدد “قانون الأساس: الجيش” (Basic Law: The Military) العلاقة بين الجيش والحكومة:
​المادة (2/ب): تذكر بوضوح أن «الجيش يخضع لسلطة الحكومة» (أي الحكومة كمرجع جماعي، وليس لشخص رئيس الوزراء منفرداً).

​المادة (40) من قانون الأساس (الحكومة): تنص على أن شن الحرب أو اتخاذ إجراءات عسكرية رئيسية تؤدي بنسبة عالية إلى حرب يُشترط فيها موافقة “المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية” (الكابينت)، وفي بعض الحالات الحكومة مجتمعة.

وهل هي بالفعل المرة الأولى في تاريخ إسرائيل؟ (قراءة تاريخية مقارنة)
​رغم أن هذه الواقعة علنية وحادة للغاية، إلا أن التاريخ العسكري الإسرائيلي شهد محطات شابهت هذا التوتر بين القيادتين السياسية والعسكرية، لكن تفاصيل الموقف الحالي تصنفه كأشدها خطورة:

ففي ​عام 2010 (أمر “فلسين” : أصدر نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك (إيهود باراك) أوامر لرئيس الأركان (غابي أشكنازي) ورئيس المخابرات “الموساد” (مئير داغان) بوضع الجيش في حالة استعداد قصوى لشن ضربة على إيران خلال ساعات.
​ماذا حدث حينها؟

رفض أشكنازي وداغان الأوامر، واعتبر أشكنازي أن هذا الاستعداد قد يجر الطرف الآخر (إيران) إلى حرب بطريق الخطأ، ووصفا الأمر بأنه “غير قانوني” لأنه لم يمر عبر الكابينت.

وفي ​عام 1982 (حرب لبنان الأولى): كان هناك جدار صلب من التشكيك بين أريئيل شارون (وزير الدفاع) والعديد من قادة الجيش بشأن حدود العملية العسكرية.

و​الفرق في الموقف الحالي: الواقعة الحالية تأتي في ظرف أشبه بـ “اللحظة الأخيرة” قبل انتخابات، وفي ظل إستقطاب داخلي حاد وتشكيك واسع في دوافع القرارات السياسية؛ مما جعل رئيس الأركان يطالب بشرط غير مسبوق وهو (وثيقة مكتوبة وموافقة جماعية من كل الوزراء) ليعطل القرار عملياتياً.

​3. لماذا يُعتبر هذا “الخطأ القاتل” والنهاية السياسية لنتنياهو ؟

و​إذا تم إثبات هذه التقارير بشكل لا يقبل الشك أمام الرأي العام الإسرائيلي والمؤسسات القضائية، فإنها تمثل الضربة القاضية لنتنياهو لعدة أسباب:

​أ. تهمة “تسييس الأمن القومي” (Political Cynicism)
​الخط الأحمر الأكبر في المجتمع الإسرائيلي هو إستخدام أرواح الجنود والأمن القومي لخدمة البقاء السياسي أو الانتخابي.

و إذا اقتنع الشارع والوسط السياسي بأن ضرب دولة بحجم إيران كان بغرض تأجيل الانتخابات أو كسب أصوات، فإن ذلك يُفقد نتنياهو ما تبقى من شرعيته كـ “سيد الأمن” (Mr. Security).

​ب. انهيار الثقة بين الجبهة الداخلية والمؤسسة العسكرية

​الجيش الإسرائيلي هو “جيش الشعب”. عندما يُظهر رئيس الأركان عدم ثقته بدوافع رئيس الحكومة إلى حد المطالبة بضمانات خطية، فإن ذلك يعني تفكك العقد الاجتماعي والعسكري الذي تدار به الدولة.

​ج. التحقيق المستقبلي (لجنة تحقيق رسمية)
ف​أي مواجهة أو تداعيات قد تنجم عن أي تصعيد مستقبلًا ستفتح الباب فوراً لتشكيل لجنة تحقيق رسمية (State Commission of Inquiry).

شهادة رئيس الأركان المدعومة بالمذكرات والتقارير السرية ستكون السلاح القضائي الذي سيُنهي الحياة السياسية لنتنياهو كلياً، وقد تفتح الباب لمحاكمات جنائية بتهم خيانة الأمانة وتعريض أمن الدولة للخطر.

​4. الخلاصة والاستشراف الاستراتيجي

​إن موقف رئيس الأركان (إيال زامير) يعكس حالة من “كبح جماح” المستوى السياسي من قِبل العسكر، وهي حالة غريبة في الديمقراطيات، لكنها تنشأ في إسرائيل عندما تشعر المؤسسة الأمنية (التي تمتلك قراءة استخباراتية دقيقة للميدان) بأن القرار السياسي إنفصل عن الواقعية الإستراتيجية وأصبح رهينة للمصالح الشخصية.

و​إذا تمكن الإعلام أو المعارضة من توثيق هذه الواقعة بـ “مذكرة رسمية” أو مسودة طلب خطي، سنكون أمام أكبر أزمة دستورية وعسكرية في تاريخ إسرائيل الحديث، وستكون بالفعل المسمار الأخير في حياة بنيامين نتنياهو السياسية؛ وقد تنجر البلاد إلى حرب أهلية لا تحمد عقباها.

وإنَّ غدًا لناظره قريب

27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026