حراس المعبد: كيف يخلق التقديس الأعمى طقوساً للزيف والفساد؟!
الكاتب/ اسعد عبد الله عبد علي ||

في أزقة الروح الملتوية، حيث تتداخل عتمة الخفايا بنور الأدلة الساطعة، تعيش شخصية فريدة من نوعها؛ شخصية تشبه تلك الحواري العتيقة التي تخفي خلف جدرانها الطينية الرطبة أسراراً متناقضة. إنها النفس التي اختارت أن تبتني لنفسها حصناً من الوهم، وارتضت أن تسكن في برج عاجي مغلق، لا تهتز أركانه مهما عصفت به رياح الحقيقة.
إذا ما أردتَ أن تسبر أغوار هذه الشخصية، فعليك أن تتأمل أولاً لجاجتها العجيبة في التمسك بالباطل. لا تكترث لسطوع الحق، ولا تعبأ بالأدلة الدامغة التي تضيء الطريق أمام البصائر؛ فالأدلة بالنسبة لها مجرد غبار عابر تحاول بشتى الطرق نفخه لئلا يخدش صفاء قناعاتها المسبقة. وكأنها تسير في ليل مدلهم، ممسكة بعصا عمياء، ترفض أن تفتح عينيها لنور الفجر، مخافة أن تكتشف أن الخطوات كلها كانت تمضي في الاتجاه الخاطئ.
أما في محراب التقديس الأعمى، فهناك يبدو العجب العجاب. إنها لا تحب قائدها أو زعيمها حباً بشرياً عادياً، بل تقيم له في صميم الوجدان مزاراً من التبجيل المطلق. تسبغ عليه العصمة، وتنسج حوله هالة من البطولة الأسطورية والصفات شبه الإلهية. في عينيه تختصر الحقيقة، وعلى لسانها ينطق الصواب الأبدي؛ وكل ذلك ليظل معبودها الفكري محمياً من رياح النقد، ولتبقى هي منتمية إلى شيء أكبر من ضعفها الإنساني، حتى وإن كان هذا الأكبر وهماً من صنع الخيال.
ولكن، ما أشد المفارقة بين علانية الطهر وخفايا الواقع! ففي العلن، تتعالى أصوات هذه الشخصية بالشعارات الرنانة، مدعية البطولة والأخلاق والفضيلة، مبشرة بالعدل والنقاء. غير أنك إذا ما تتبعْتَ خطواتها في خلواتها، وحيث لا تشعر بعيون الرقباء، لوجدت عالماً آخر يعج بالتناقض؛ حيث تُمارس الرذيلة ويتفشى الفساد في خفاء تام، في ازدواجية مقيتة بين ما تعلنه الألسنة وما تضمره السرائر.. وهي، فوق هذا وذاك، تنفي الآخر وتقصيه بكل قسوة. كل من تجرأ على مخالفة رأيها، أو سوّلت له نفسه أن يرفع صوته بغير ما تهوى، يصبح في نظرها خصماً لدوداً يستحق الإقصاء والتهميش. فالتعددية في قاموسها جريمة، والاختلاف كفر مبين.
إنها باختصار، مرآة مطلقة لذاتها؛ ترى أن الحق كله قد حصر فيها، وأن كل من خالفها فليس إلا ضالاً مبينًا في باطل مهلك. إنها نفس نسيت أن الحقيقة أوسع من الأفق، وأن اليقين الحقيقي لا يحتاج إلى جدران عالية من التعصب ليحمي نفسه.
إنهم في سعي محموم يشبعون “كهنة آمون”، متخذين من خدمتهم عملاً مقدساً، غايته الكبرى حماية المعبد وصنمهم المفدى، وفرض طقوس عبادية صارمة تضمن لهم الهيمنة المطلقة على أتباع “آمون”، وتكريس الجهل الدامس في مخيلتهم وعقولهم؛ وهم في ذلك يعلمون – يقيناً وإن أنكروا – أن نور العلم هو العدو الأزل الذي ينسف أكذوبتهم من أساسها، فلولا عتمة الجهل لما دامت لهم سطوة، ولولا تغييب العقول لما بقي عرشهم الوهمي قائماً.
هكذا، تظل هذه الشخصية تدور في فلك ذاتها الخاوية، كأنها فراشة عمياء تبحث عن حتفها حول شمعة وهمية؛ تظن في صمت العتمة أنها تملك مفاتيح الكون، بينما هي لا تملك سوى مفتاح قفصها الذي صنَعته بيدها. إنها لا تخوض معركة ضد الحقيقة، بل تخوض معركة خاسرة ضد الوجود ذاته. وحين ينقشع غبار الشعارات، وتتهاوى هياكل الوهم التي شيدتها على رمال الخداع، لن تجد في نهاية المطاف سوى مرآة مهشمة تعكس ملامح مهرج صغير، ظن يوماً أنه يحكم العالم، فإذا به لا يملك حتى القدرة على مواجهة الحقيقة العارية حين تشرق الشمس.




