الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

قال تعالى:فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا من ﴿سورة النساء: 78﴾..!

منذ ساعتين
الثلاثاء - 27 اكتوبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)
قال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴿سورة النساء: 78﴾.

تأتي هذه الآية في سياق الحديث عن المنافقين ومواقفهم من رسول الله (ص)، وما كانوا يثيرونه في وجهه من شكوك واعتراضات. فكانوا إذا أحرزوا نصرًا، أو غنموا غنيمة، يقولون: قد أنعم الله علينا بالنصر لأننا أهل لكل نعمة، ولولا أنا قاتلنا وجاهدنا، وبذلنا ما بذلنا ما نصرنا الله، فكأنهم هم أصحاب الفضل في النصر، والله تعالى أنزله عليهم لكرامتهم عليه. أما إذا كانت هزيمة أو خسارة، فإنهم يحمِّلون غيرهم مسؤولية ذلك، فيلقون باللائمة على الرسول أو القائد، وإن كانوا هم من تسبب بالهزيمة.

وقد ورد تفسير آخر يربط الآية بما أصاب أهل المدينة من جدب، وكيف نسب بعضهم الضرر إلى وجود النبي (ص) بينهم. لكن الدلالة التي تهمنا هنا تتجاوز الواقعة الخاصة إلى خلل في التفكير يصيب بعض الناس، فتراه ينسب النجاح إلى نفسه أو جماعته، ويلقي باللائمة عن الفشل على غيره. فما السبب وراء ذلك؟

أقول: حين يحقق الإنسان نجاحًا أو نصرًا، فغالبًا ما يسارع إلى إبراز قدرته وحسن تدبيره، ويعدّ ما جرى دليلًا على صواب رأيه، وعظيم تضحياته، وشجاعته، وبأسه. لكن حين يتعرض لإخفاق أو هزيمة، فغالبًا ما يحمِّل المسؤولية عن ذلك إلى الآخرين، لا سيما القيادة التي يفترض أن يثق بها وبحكمتها وتدبيرها.

وهذا ما تكشفه الآية الكريمة. فقد كانوا إذا أصابتهم حسنة قالوا: ﴿هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإذا أصابتهم سيئة قالوا للرسول: ﴿هَٰذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾. فهم يتعاملون مع النتائج بمنطق انتقائي، ومن منظور شخصي بحت. حين تأتي ملائمةً لهم يقبلونها ولا يرون فيها ما يدعو إلى الاعتراض، وحين تأتي خلاف ما يرغبون، يحمّلون القيادة مسؤوليتها، وكأنها وحدها التي صنعت تلك النتيجة.

وهذا نمط يتكرر في كل زمان على ألسنة المنافقين وغير المنصفين، تراهم ينسبون النجاح أو الانتصار إلى أنفسهم، ثم يتهمون القيادة بالتقصير عند الإخفاق، ولو كانت القيادة ربانية معصومة. إنه منطق غير سوي، لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يسعى إلى إشباع أنانية الأشخاص، ويدرأ عنهم ملامة التقصير. ومما لا شك فيه أن تحميل القيادة المسؤولية عن الإخفاق لمجرّد وقوعه، من غير دراسة أسبابه أو التحقق من دورها فيه، ظلم ومجانبة للإنصاف، سواء أكانت القيادة معصومة أم غير معصومة، لأن القيادة، ولو كانت معصومة، لا أن القائد يتحكم في جميع العوامل المؤثِّرة في النتائج، أو أن كل مشروع يقوده سينجح بالضرورة، ولذلك يجب التمييز بين صحة الهداية والإرشاد من جهة، وبين تحقق النتائج الخارجية التي تتأثّر بأفعال الآخرين والظروف المحيطة من جهة أخرى.

وقد يكون الإخفاق ناتجًا عن خطأ في التخطيط، من جانب القيادة غير المعصومة، وقد ينتج عن مخالفة التوجيهات أو سوء التنفيذ من قبل الجماعة نفسها، وقد ينتج عن تغير الظروف. والإنصاف يقتضي ألا نكتفي بملاحظة النتيجة، بل ندرس القرار الذي أدى إليها، والمعلومات المتوافرة عند اتخاذه، ومدى الالتزام بالخطط والتوجيهات والمعايير، والظروف التي اكتنفت الفعل، ثم نحدد المسؤولية بقدر مساهمة كل عامل في الإخفاق.

وهنا يجب أن نفرّق بين النقد المسؤول للقيادة، وهو ضرورة لتصحيح الأخطاء، وبين تحميلها المسؤولية بصورة انتقائية واعتباطية، بحيث تُنسب إليها كل هزيمة وتُطمس كل فضيلة من فضائلها عند النصر. إن الآية الكريمة لا تمنع من مراجعة القرارات، وإنما ترفض أن تكون المراجعة ستارًا لإلقاء المسؤولية على الآخرين والتهرُّب من مواجهة الحقيقة.

وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ تنبيه إلى أن الأحداث لا تقع خارج تقدير الله ومشيئته وسلطانه، لكن ذلك لا يعني أن كل يفعله البشر مرضي عنه من قبل الله، أو أن الإنسان غير مسؤول عن قراراته واختياراته، فشمول سلطان الله للأحداث، ووقوعها بمشيئته لا يُلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله، ولا يعفينا من البحث في الأسباب المباشرة للنجاح والإخفاق والانتصار والهزيمة، وتحديد مسؤولية كل طرف بحسب دوره.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم الثلاثاء الواقع في: 27/10/2026 الساعة (04:47)