الأحد - 25 اكتوبر 2026

ترامب والنفط الأيراني… هل تتحول الحرب إلى معركة للأستحواذ على الثروة؟!

منذ ساعتين
الأحد - 25 اكتوبر 2026

المهندس يونس الكعبي ||
25 تشرين الأول 2026

 

 

 

لم يعد الصراع الأمريكي الأيراني محصوراََ في البرنامج النووي أو النفوذ الأقليمي أو القدرات العسكرية ؛ فمع تصاعد المواجهة بين واشنطن وطهران ، دخل النفط بقوة إلى حسابات الحرب ، بعدما لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأمكانية بقاء الولايات المتحدة في أيران والسيطرة على نفطها ، مستحضراََ تجربة فنزويلا بوصفها نموذجاََ للمقاربة التي يتحدث عنها. وقد نقلت رويترز هذا التصريح في 13 تشرين الاول 2026.
هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية ، هل تسعى واشنطن إلى أخضاع أيران سياسياََ فحسب ، أم أن السيطرة على مواردها النفطية أصبح هدفاََ معلناََ للأدارة الأمريكية؟
يمثل النفط العمود الفقري للأقتصاد الأيراني ومصدراََ أساسياََ للعملة الأجنبية. ولذلك ، فأن حرمان طهران من تصدير نفطها لا يقتصر تأثيره على الحكومة ، بل يمتد إلى قدرتها على تمويل الأنفاق العام ، ودعم العملة ، وتوفير أحتياجات الأستيراد.
وتكشف التطورات الأخيرة عن أهمية هذا الملف ؛ إذ أفادت تقارير أمريكية بأن الحصار البحري على الموانيء الأيرانية تسبب في تعطيل صادرات نفطية تقدر قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات.
وتكمن خطورة تصريحات ترامب في أنها توحي بالضغط الأقتصادي قد يتجاوز هدف أجبار أيران على التفاوض ، إلى محاولة فرض ترتيبات تمنح الولايات المتحدة نفوذاََ مباشراََ على أهم موارد البلاد.
لكن السيطرة على صادرات النفط أو تعطيلها لا تعني بالضرورة أمتلاك الحقول والمنشآت النفطية ، كما أن السيطرة العسكرية على منشأة لا تمنح تلقائياََ شرعية قانونية للأستحواذ على موارد دولة أخرى.
والسؤال المطروح هو ما الذي تريده واشنطن من النفط الأيراني ؟
وللأجابة على هذا التساؤل ، يمكن قراءة الموقف الأمريكي من خلال ثلاثة أهداف محتملة:
أولاََ: أخضاع الأقتصاد الأيراني ، فمن خلال تعطيل الصادرات وتقليص الأيرادات ، تسعى واشنطن إلى زيادة كلفة أستمرار المواجهة على طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية.
ثانياََ: أعادة تشكيل موازين القوة في سوق الطاقة. فأيران تمتلك أحتياطات نفطية كبيرة وموقعاََ جغرافياََ مؤثراََ في الخليج. وأي ترتيبات مستقبلية تحد من أستقلال قرارها النفطي قد تمنح الولايات المتحدة وحلفائها أوراق ضغط أضافية في أسواق الطاقة.
ثالثاََ: توظيف النفط في الحسابات السياسية الداخلية الأمريكية. إذ يربط ترامب بين أنهاء الحرب وتراجع أسعار الوقود ، في محاولة لتقديم نتائج أقتصادية ملموسة للناخب الأمريكي.
ومع ذلك ، لا توجد أدلة كافية للجزم بأن الأستحواذ الدائم على النفط الأيراني يمثل خطة أمريكية مكتملة وقابلة للتنفيذ ؛ فالتصريحات السياسية شيء ، والقدرة على فرض هذا السيناريو وتحمل تكاليفه شيء آخر.
هل تستطيع الولايات المتحدة عسكرياََ السيطرة على النفط الأيراني؟ من الناحية العسكرية ، تستطيع قوة كبرى أستهداف منشآت نفطية أو فرض حصار بحري أو السيطرة على مواقع أستراتيجية في ظروف معينة. لكن تحويل هذه القدرة إلى سيطرة مستدامة على قطاع النفط الأيراني سيكون أكثر تعقيداََ.
فأيران دولة واسعة المساحة ، تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية وقدرات صاروخية وشبكات نفوذ أقليمية. كما أن حماية الحقول والموانيء وخطوط الأنابيب وتأمين عمليات الأنتاج والتصدير تتطلب موارد عسكرية ولوجستية ضخمة.
وحتى لو تمكنت واشنطن من تعطيل الصادرات الأيرانية ، فأن ذلك لا يعني أنها تستطيع أدارة القطاع النفطي دون مقاومة أو مخاطر أمنية متواصلة.
كذلك فأن الأستحواذ القسري على موارد دولة أخرى سيواجه أعتراضات قانونية ودبلوماسية ، وقد يزيد من عزلة الولايات المتحدة لدى أطراف دولية ترى في هذه الخطوة سابقة خطيرة في العلاقات الدولية.
تتجاوز أهمية النفط الأيراني حدود أيران نفسها ، بسبب موقع البلاد على الضفة الشمالية للخليج وقربها من مضيق هرمز ، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والغاز في العالم.
وأي تصعيد عسكري حول المضيق قد يهدد حركة الناقلات ، ويرفع تكاليف التأمين والشحن ، ويدفع أسعار النفط إلى مستويات أعلى.
وقد شهدت الأسواق بالفعل أضطرابات حادة مع تصاعد الحرب. فيما أرتفع سعر خام برنت إلى نحو 113 دولاراََ للبرميل في 22 تشرين الاول 2026 ، وفق تقرير لشبكة CBS News.
وهنا تظهر المفارقة ، قد تسعى واشنطن إلى أستخدام النفط وسيلة لأخضاع أيران ، لكن أستمرار الحرب يمكن أن يؤدي إلى أرتفاع أسعار الطاقة ، بما يضر بالمستهلك الأمريكي والأقتصاد العالمي.

وفي نظرة إلى موقع العراق من هذا الصراع الذي يخيم على المنطقة قسراََ ، فبالنسبة إلى العراق لا تمثل المواجهة الأمريكية الأيرانية أزمة خارجية بعيدة ، بل تهديداََ مباشراََ لمعادلة الأقتصاد والأمن الوطني. فالأقتصاد العراقي يعتمد على الأيرادات النفطية لتمويل الرواتب والنفقات العامة والمشاريع الحكومية. ولذلك ، فأن أي أضطراب مستمر في تصدير النفط أو الملاحة الخليجية قد ينعكس على الموازنة العامة والتدفقات المالية.
وأذا أرتفعت أسعار النفط نتيجة الحرب ، فقد تحقق الخزينة العراقية أيرادات أضافية نظرياََ ، لكن هذه المكاسب ليست مضمونة ؛ إذ يمكن أن تتزامن معها صعوبات في التصدير وأرتفاع تكاليف الأستيراد والشحن والتأمين.
أما أذا توسعت المواجهة لتشمل منشآت الطاقة أو طرق النقل في المنطقة ، فقد يجد العراق نفسه أمام أزمة مركبة تجمع بين الضغوط المالية والمخاطر الأمنية والأستقطاب السياسي الداخلي. ومن هنا ، تبرز الحاجة إلى سياسة عراقية مستقلة تعمل على حماية المصالح الوطنية ، وتجنب تحويل الأراضي والأجواء والمياه العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الأقليمية والدولية.

أذن نحن أمام مرحلة جديدة من الحروب الأقتصادية ، أن أخطر ما في هذا الطرح هو أحتمال أنتقال الصراعات الدولية من محاولة التأثير في سياسات الدول إلى السعي للسيطرة على مواردها الأستراتيجية.
فالنفط ليس مجرد سلعة تجارية ؛ أنه مصدر للسيادة الأقتصادية والقدرة على أتخاذ القرار. وأذا أصبحت السيطرة على الموارد الطبيعية هدفاََ معلناََ للحروب ، فأن ذلك قد يفتح الباب أمام صراعات أكثر تعقيداََ ، تتداخل فيها القوة العسكرية مع المصالح الأقتصادية.
لكن نجاح هذا النهج ليس مضموناََ. فقد يؤدي الضغط المفرط إلى تصلب المواقف ، وأطالة أمد الحرب ، وزيادة المخاطر على أمدادات الطاقة بدلاََ من ضمان أستقرارها.
أن تلويح ترامب بالسيطرة على النفط الأيراني يعكس تصعيداً في الخطاب الأمريكي ، ويكشف عن المكانة المركزية للطاقة في الحسابات الأستراتيجية للصراع.لكنه لا يكفي وحده لأثبات وجود خطة عملية للأستحواذ على كامل النفط الأيراني.
وما بين الضغط الأقتصادي والتهديد العسكري وأحتمالات التفاوض ، يبقى مستقبل الأمة مرهوناََ بقدرة الطرفين على تحويل أوراق القوة إلى تسوية سياسية.
أما العراق ، فعليه أن يقرأ هذه التطورات بأعتبارها أنذاراََ مبكراََ بضرورة تنويع أقتصاده ، وتعزيز أمن صادراته ، وتحصين قراره الوطني ؛ لأن أي معركة كبرى على النفط في الخليج لن تبقى محصورة في حدود الدول المتحاربة ، بل ستطال أقتصاديات المنطقة وأستقرارها بأكمله.