الاثنين - 26 اكتوبر 2026

أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ..!

منذ يوم واحد
الاثنين - 26 اكتوبر 2026

عباس العرداوي ||

 

 

* رسالة إلى الأبله والأحمق
لقد اتسعت لغة العرب وتجلت بلاغتها في وصف الروح الإنسانية وكل ما يطرأ على العلاقات من تقلبات، فلم يتركوا حالاً من أحوال الصحبة إلا وجعلوا لها اسماً يوضح عمقها ومغزاها.

فبينما كان الخليل هو الصفي الذي تخللت محبته سويداء القلب، وكان الرفيق هو سند الدرب في السفر العابر أو الموقف الطارئ، كانت في المقابل صور أخرى لرفقة جمعت بين القلوب ردحاً من الزمن، وشاطرت الأيام بحلوها ومرها وسرائها وضراءها؛ غير أن المواقف تبدلت والمبدأ تزلزل، فكان لزاماً الجهر بالرد وعدم السكوت، فالساكت عن الحق شيطان أخرس كما يُقال.

وبات من أقصده لا يُرجى خيره ولا يؤمن كيده، بعد طيب المعشر وصدق النوايا، حتى إذا انقضت الحاجة وتبدلت الأحوال، انجلت الحقيقة وانكشف المستور، وسقط العقل والخلق تحت بروق المطامع، فإذا بذاك الصاحب الذي ائتمنه الفؤاد يتحول إلى خصم لدود ينسى سابق الود ويجحد سالف العشرة، وهو ما وصفك العرب بالماذق والخائن الذي يظهر اللين وفي باطنه الخذلان، ليثبت لنا الدهر قول أمير المؤمنين (إن في تقلب الأحوال تعرف جواهر الرجال).

وإن المحك الحقيقي للإنسان لا يكون بطول الملازمة ولا بححسن المظهر، بل بالوفاء والثبات عند تغير الأيام وتبدل الظروف، ويزيد الأمر مرارة حين يُقذف دار أبيه وإن كان بحجر، بيد من كان يعده صديقاً، ويعز أن يسمع المرء من يشتم أهل بيته وإن كان مصداقاً لـ (وَقَوْمِي وَإِنْ شَحُّوا عَلَيَّ كِرَامُ).

… فلا كرامة عندي لصديق ينعت أهلي بسوء ولا حرمة لمن يقذف شرفهم وعزهم، فقد جحد هؤلاء اليد التي أطعمتهم وبصقوا في الإناء الذي رَوَاهُمْ، ودنسوا الفراش الذي آواهم، وتنكروا لأيام ضعفهم وهزالتهم، ولكن حين اشتد عودهم بان شرهم.
وما يقوم به الرفيقان الأبله والأحمق لعجب مستغرب!

فقد جاء أحدهما يتسكع الأبواب يشكو الجوع والوحدة بعد أن نبذته عشيرته والأقربون، وجاء الآخر دخيلا بعد أن طاردته الدعاوى ليستضل براية الأهلي ويأوي إلى دارهم ليشبع بطنه ويؤمن خوفه، حتى ملئ كرشه وبانت عورته وسوء خلقه بلسان بذيء يكشف ما اطلع عليه في بيت آواه، ظناً منهم أن بعض وجبات من الطعام الحلال تستبراء جسداً نما من الحرام، وعلى الحرام يستحل محارم الله دون غيره أو حمية.

وأما الأبله فلا قيمة له، فقد نحر نفسه بعد أن حاول الأهل أن يطعموه من خالص حلالهم ولكن أبى إلا أن تمتد يده للحرام وسرق قوت من رافقه ورفق به وأصبح ينهش بالنار وكل ما يقع بين يديه دون ورع أو تقوى، فلم يعد يستره جلباب الخير لأن نتانة أفعاله أزكمت الأنوف، فكشف عن معدنه بعد تبدل الأحوال، فكان معيار نضجه حذاءً ماركة يقتنيه أو قطعة حُلِيّ يرتديها، واعتقد خاطئاً أن العطور الجيدة يمكن أن تغطي رائحة الحرام.

وقد ظن هذان الأبلهان الأحمقان أن التودد للسلطان سوف يجعله يثق بهما ويركبهما خلفه في قافلة الدنيا الدنية، أو يسمح لهما بالعيش في بلاط السلطان حتى ولو على حساب ما تبقى من كرامة، ولكن السلطان كان قاسيًا جداً حين وضعهما في قبال خصم عنيد ينتقي خصومه بدقة ولن يلتفت لمثل هذين القزمين، بل ولن يعكر مزاجه مطلقا، ولكن السلطان الأبله يعتمد البلهاء أمثاله في مملكة الاستحمار، فنادوا ونبحوا وعوا ونهقوا ولم يلتفت لهم من قصدوه وخاب ما فعلوا، ولا شك عندي أن من دفع بهم سيتخلى عنهم ويتركهم ليواجهوا مصيراً لم نكن نتمناه لهما من نبذ المجتمع.

في حين يبقى دار الأهل وعزوتهم ورايتهم شامخاً، ولم يضرهم إجحاف من ذاق خبزتهم ولا نكران من أحسنوا إليه، بل زادهم يقيناً أن إطعام الضبع لن يجعل منه غزالاً.