السبت - 24 اكتوبر 2026

بوصلة التبعية وإدارة الأزمات: قراءة تحليلية في جذور الموقف الإقليمي..!

منذ ساعتين
السبت - 24 اكتوبر 2026

العميد القاضي د/ حسن حسين الرصابي ||

 

 

تُعدّ السياسةُ الخارجية للدول والممالك إحدى أكثر الظواهر تعقيداً في دراسات العلاقات الدولية؛ إذ لا تُبنى خياراتُها الميدانية ومواقفُها الدبلوماسية صدفةً، بل تُصاغُ وفق استراتيجياتٍ محددة تُوازن بين العوامل البنيوية للأنظمة، والحفاظ على بقاء هياكل الحكم، وتقاطع المصالح الحيوية مع القوى النافذة في النظام الدولي.
وحين يُستقرأ الشريطُ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط على مدى ثمانية عقودٍ متتالية، يتجلى للمراقب البصير كيف شكّل الارتباط بالمنظومة الدولية—وتحديداً بالعاصمة الإستراتيجية واشنطن—المحورَ الأساسي الذي دارت حوله التحالفاتُ والصراعات الإقليمية للنظام السعودي. وإن القراءة المتأنية لمنعطفات التاريخ المعاصر تعكس أن التغيرات الظاهرية في الموقف من الأنظمة والحركات والمحاور لم تكن سوى تطبيقاتٍ لـ “كلمة سر” واحدة: مدى التوافق أو الصدام مع الرؤية والأجندة الأمريكية.
أولاً: الهندسة الإقليمية وإدارة الصراعات الأيديولوجية
إن المتتبع لتاريخ العلاقات العربية والدولية يلحظ أن التعاطي السعودي مع القوى الإقليمية والحركات الفكرية والسياسية سار في خطٍ بياني محكوم بالكامل بمدار العلاقة مع واشنطن:
– مواجهة المدّ القومي والاشتراكي: عندما برز المشروع القومي العربي بزعامة جمال عبد الناصر، والمد الاشتراكي في جنوب اليمن وخارجه، أعلنت الرياض حرباً سياسية وإعلامية وميدانية لا هوادة فيها لإجهاض تلك المشاريع؛ كونها مثلت تهديداً مباشراً للمصالح الاقتصادية والعسكرية الغربية في المنطقة.
– التحالف المذهبي والسياسي ضد الاتحاد السوفيتي: في المقابل، حين تطلبت الإستراتيجية الأمريكية استنزاف السوفيت في أفغانستان، جرى استدعاء الخطاب الديني وتجييش الطاقات والموارد لدعم ما سُمي بالجهاد الأفغاني، قبل أن يتم الانقلاب الكامل على تلك القوى وحركة طالبان بمجرد تغيير البيت الأبيض لأولوياته وإعلانه ما يُسمى “الحرب على الإرهاب”.
– البعد الإيراني في الاستراتيجية السعودية: تتجلى ازدواجية المعايير بوضوح عند النظر إلى إيران؛ فقد كان نظام الشاه حليفاً استراتيجياً قريباً للرياض لكونه ركيزة شريكة في الحلف الأمريكي بالمنطقة، وما إن قامت الثورة الإسلامية عام 1979م وأعلنت شعارها المناهض للهيمنة الأمريكية، حتى تحولت إلى عدوٍ محوري، وتُرجم ذلك بدعمٍ سخي ونوعي لنظام صدام حسين في حربه ضدها.
ثانياً: التقلبات السياسية وإدارة خطوط التماس
إن السياسة الخارجية المبنية على الارتهان الخارجي تتسم بالتغيّر السريع وفق التوجيهات الدولية، وهو ما ظهر جلياً في ملفات متعددة:
– الملف العراقي: حُظي النظام العراقي الأسبق بغطاءٍ سياسي ومالي واسع طوال ثماني سنوات لكونه خاض حرباً تُحقق غاية واشنطن في حصار الثورة الإيرانية، ولكن بمجرد اصطدامه بالمصالح الأمريكية عقب أحداث 1990م، تحول الغطاء السعودي إلى رأس حربةٍ لإسقاطه وتدمير بنيته العسكرية والاقتصادية.
– تفكيك الدول والاستهداف المباشر: تكرر السيناريو نفسه في ملفات سودان ما قبل الانفصال، وسوريا، وليبيا؛ حيث رُصد جهدٌ حثيث لتفكيك بنية هذه الدول وإسقاط أنظمتِهَا الحاكمة لمجرد اتخاذها مواقف مناهضة للهيمنة الأمريكية، في حين هُرعت القوات السعودية لحماية النظام البحريني من السقوط كونه يُشكل امتداداً للنفوذ الغربي ومقراً للأسطول الخامس الأمريكي.
– استهداف خط المقاومة والعدوان على اليمن: انعكس هذا الارتهان بصورة أشد ضراوة في المواجهة المفتوحة ضد حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، واستكمالاً لذلك كان إعلان العدوان والحرب الشاملة على اليمن لمواجهة مشروع أنصار الله، نظراً لرفضهم الصريح والمبدئي للهيمنة الأمريكية والصهيونية في المنطقة.
ثالثاً: استخدام الطاقة والمقدرات الدينية كأدوات نفوذ
لم تقتصر هذه السياسة الوظيفية على المحطات العسكرية والأمنية، بل امتدت لتسخير المقدسات وموارد الأمة الاقتصادية في خدمة التوازنات الغربية:
– المحفظة النفطية وسوق الطاقة: أُديرت أسعار النفط وسياسات الإنتاج داخل منظمة “أوبك” وخارجها بما يُلبي متطلبات الاقتصاد الغربي ويضمن استقراره، حتى وإن كان ذلك على حساب الإضرار بمصالح الشعوب العربية والإسلامية أو تذبذب أسعار الخام لدرجةٍ تفقد المورد القومي قيمته العادلة.
– التوظيف الأيديولوجي وتجزيء الأمة: أُعيد توظيف الخطاب الديني وترويج الرؤى المذهبية وتفريخ الجماعات لتفريق جمع المسلمين، وتحويل بنية الإسلام الشاملة إلى صراعاتٍ داخلية تكفر فيها الأطراف بعضها بعضاً، بما يخدم استراتيجية “تفكيك المجتمعات من الداخل” لتسهيل السيطرة عليها.
خاتمة: سقوط الأقنعة واستنهاض الوعي
إن التاريخ لا يرحم الكيانات التي ترتضي لنفسها دور الوظيفة السياسية على حساب سيادة أمتها وكرامة شعوبها، وإن تتبع هذه السلسلة المتصلة من الانحيازات والتقلبات يثبت يقيناً أن الارتهان للخارج لا ينتج إلا الخراب الداخلي والتفكيك المنهجي لهوية الأمة. وحين تتحول مقدرات الأوطان وثرواتها الروحية والمادية إلى مجرد أوراق تُدار بغرف العمليات الاستعمارية، فإن سقوط السرديات المزيفة يصبح حتمية تاريخية لا رجعة فيها.
من هنا، يبقى الوعي الجمعي لأحرار الأمة هو الحصن الأخير في مواجهة شمولات الهيمنة وأدوات الوكالة، ويبقى السؤال الأعمق مدعاةً للتأمل واليقظة:
> كيف لمن اتخذ من العواصم المستعمرة محراباً لقراراته أن يدعي حراسة العقيدة أو الدفاع عن حياض المقدسات؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.