السبت - 24 اكتوبر 2026

القانون الجعفري وضجيج الاعتراض..!

منذ ساعة واحدة
السبت - 24 اكتوبر 2026

كوثر العزاوي ||

 

 

 

ما إن بدأ الحديث عن القانون الجعفري، حتى ارتفع صخب الأصوات بالاعتراض بغير علمٍ، وتحركت بعض الجهات والمنظمات ووسائل الإعلام في محاولة لتصوير القانون وكأنه يستهدف المجتمع أو ينتقص من حقوق الإنسان، متجاهلةً أن لكل مجتمع منظومته القيمية والدينية والثقافية التي تشكّل جزءًا أصيلًا من هويته.
ولعلّ ما يثير التساؤل أكثر من مضمون الاعتراضات نفسها، هو حجم الحملة وتوقيتها وطبيعة الجهات المنخرطة فيها، وكأن إقرار قانون يستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية وفق المذهب ويراعي خصوصية المجتمع العراقي قد مسّ مشروعًا أكبر من مجرد نصوص قانونية، فتعالت على إثره صرخات النشاز.
في الواقع، ليست القضية في جوهرها نصوصًا قانونية فحسب، بل تتصل أيضًا بهوية المجتمع وقيَمه، فالعراق ليس بلدًا بلا تاريخ، ولا مجتمعًا بلا مقومات عقائدية أو بلا مرجعية أخلاقية ودينية.
ومن يحاول فرض نماذج اجتماعية دخيلة عليه، عليه أولًا أن يدرك: أنّ لهذا البلد عمقًا حضاريًا راسخًا، وشعبًا متمسكًا بدينه وثقافته، ومرجعيةً رشيدة طالما وقفت بوجه محاولات العبث بهوية المجتمع، وحذّرت من استشراء الفساد بأنواعه، كما أنها أوضحت حقيقة منظومة المجتمع القيَمية الراسخة.

ومن هنا، يمكن قراءة هذه الضجة من زاوية أخرى. فحين تتقاطع مصالح بعض المنظمات والجهات الخارجية مع خطاب ديني إعلامي، يتناول قضية جوهرية بانتقائية، ويُقدّم القانون الذي يحفظ حقوق الأسرة، ينبري المتربصون لمحاولات التعطيل تحت شعار التعديل.
وهنا يأتي السؤال:
هل تدور هذه المعركة فعلًا من الحرص على حقوق الإنسان وحرية المرأة كما يدّعون، أم تتداخل معها أهداف أخرى تتصل بهوية المجتمع وتقاليدهِ؟. أم أنها محاولة جديدة لفرض نماذج دخيلة تُربك وعي المجتمع وتبعثر قيَمه تحت عناوين براقة؟.
إنّ الدفاع عن الأسرة وحقوق المرأة لا يعني التدخل في أصول المبادئ الدينية والأخلاقية للمجتمع، إنّما يقتضي احترام حقه في اختيار منظومته القانونية والأخلاقية بما ينسجم مع عقيدته وهويته وثقافته، وبما يضمن سلامته الدنيوية والأخروية، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية والضغوط السياسية والإعلامية.
ولذلك، فإن الجلَبة التي أحدثها البعض ضد إقرار المدوّنة الجعفرية، وما رافقها من مواقف لبعض الجهات النسوية، قد كشفت عن أنّ المعركة الحقيقية تنطلق من تدخّلٍ سافر في خصوصية مقدسة لدى المجتمع العراقي الشيعي، في ظل محاولات مستميتة، لإعادة تعريف الإنسان والأسرة والمجتمع وفق رؤى لا تنسجم مع ثوابت شريحة تشكّل الأغلبية في المجتمع العراقي.

إن العراق، الذي دفع أثمانًا باهظة على مرّ القرون دفاعًا عن أرضه وكرامته وهويته، ليس مضطرًا اليوم إلى التخلّي عن ثوابته كي ينال رضا هذا الطرف أو ذاك.
فالقوانين قابلة للمراجعة، والمواد القانونية قابلة للنقاش، لكن لا ينبغي أن يتحوّل إلى مدخل لفرض الإملاءات الخارجية، أو تقييد حق المجتمع في الاحتكام إلى عقيدته وثوابته، تحت تأثير رفع الأصوات المعادية والتجاوز واختلاق الأكاذيب.
إن القانون الجعفري، في جوهر هذا الطرح، ليس مجرد نص قانوني، بل قضية تتصل بحق المجتمع في صون هويته الدينية العقائدية والثقافية، وسلامة عيشهِ وفق أحكام الشريعة الإسلامية، ورفض تحويل قوانينه إلى ساحة فوضوية تسعى لتضليل المجتمع الملتزم، وإقصائهِ عما يؤمن به من تشريعات تنسجم عمليًا مع عقيدته السمحاء.

١٢-جمادي الأولى- ١٤٤٨هـ
٢٤-تشرين الأول-٢٠٢٦م