السبت - 24 اكتوبر 2026

تهديدات ترامب لإيران… أمنيات في حدائق البيت الأبيض..!

منذ 59 دقيقة
السبت - 24 اكتوبر 2026

عباس سرحان ||

 

عباس سرحان

 

منذ أسابيع والرئيس الأميركي دونالد ترامب يرفع سقف وعيده لطهران، ملوّحاً بكل ما في الترسانة الأميركية من قوة، حتى خُيّل للمتابع أن المنطقة تقف على عتبة حرب جديدة.
غير أن القراءة المتأنية للمشهد تطرح سؤالاً جوهرياً ملحّاً، فهل نحن أمام مقدمات حرب فعلية، أم أمام حرب نفسية تقيّدها اعتبارات انتخابية واقتصادية تتعلق بأسعار النفط؟
في التاريخ العسكري قاعدة عامة لا يشذّ عنها إلا القليل، تكشف أن الدولة العازمة على خوض الحرب تحرص على المباغتة، لأنها تمنحها أفضلية تكتيكية وتوقع بخصمها أكبر الخسائر، ولا تترك له فرصة لترتيب صفوفه استعداداً للمعركة.
أما الوعيد المتكرر الممتد لأسابيع فيمنح الطرف الآخر وقتاً للتحصن وتوزيع قدراته، فيُفرغ أي ضربة محتملة من جدواها، وقادة البنتاغون ليسوا من السذاجة بحيث يعلنون تفاصيل حربهم قبل أن يبدأوها.
لهذا يبدو إلحاح ترامب هذه الأيام على التذكير بأسلحته الفتاكة أقرب إلى الدعاية منه إلى التخطيط الفعلي لخوض منازلة جديدة ضد طهران.
ثم إن البيئة الاستراتيجية للولايات المتحدة تغيّرت، فقد تقلّص الوجود العسكري الأميركي المباشر في المنطقة، ولم تعد القوات الأميركية تتحرك بالحرية التي تمتعت بها قبل حربها الأخيرة مع إيران، فيما تعمل حاملات الطائرات من مسافات بعيدة عن العمق الإيراني، وهو ما يُثقل كاهل أي عملية واسعة وطويلة.
يُضاف إلى ذلك أن دول الخليج الحليفة لأميركا، التي استضافت القواعد الأميركية قبل أن تطال الصواريخ الإيرانية عدداً منها، باتت تدرك أنها ستكون أول من يدفع ثمن أي مواجهة، فلم تعد مستعدة لأن تتحول أراضيها إلى منصات لحرب لا تملك قرار إيقافها.
قد لا يكترث ترامب بمواقف هذه الدول، لكنه لا يستطيع أن يخوض حرباً واسعة بعيداً عن أرضها وأجوائها.
مع كل هذه التعقيدات يبقى السؤال الأهم بلا إجابة، فما الذي ستحققه حرب جديدة ما دامت المواجهات السابقة قد عجزت عن تحقيق أهداف واشنطن وحسم المعركة بنصر ناجز؟
القدرات الصاروخية الإيرانية موزعة على رقعة واسعة، والمنشآت الحساسة محصنة في أعماق الجبال، والحديث المتكرر عن «أم القنابل» يستعيد شعارات أطلقها آخرون، كصدام حسين في «أم المعارك»، قبل أن يُثبت الواقع أن الشعارات والتفوق الناري وحدهما لا يكسران إرادة الخصوم. لقد خرجت إيران من كل جولة حرب سابقة جريحة، لكنها لم تخرج منكسرة، بل ازدادت تمسكاً بأوراقها.
من هنا لا يمكن فصل التهديد الأميركي المستمر باستخدام القوة عن حسابات الداخل، إذ يتحول الخطاب المتشدد على أبواب الانتخابات النصفية إلى وسيلة لاستعراض القوة واستمالة الناخبين.
في المقابل يعرف ترامب أن حرباً أخرى تفاقم تهديد ممرات الطاقة في مضيق هرمز تعني موجة جديدة من الغلاء لا تقف عند حدود المنطقة، فستقفز أسعار الوقود في الولايات المتحدة نفسها، ويدفع المواطن الأميركي الثمن عند كل محطة، ثم تمتد العدوى إلى الغذاء الذي ترتفع كلفة نقله وإنتاجه مع كل دولار يُضاف إلى برميل النفط.
أوروبا بدورها لم تتعافَ بعد من أزمات الطاقة المتلاحقة، وشوارعها تضج أصلاً باحتجاجات على غلاء المعيشة، فأي حرب جديدة ستصبّ الزيت على نار مشتعلة، وتضع واشنطن في مواجهة حلفاء أنهكتهم الفواتير.
هذا آخر ما يحتاجه رئيس يخوض معركة انتخابية يريد لها أن تُحسم لصالحه في صناديق الاقتراع، بينما سيؤدي أي تصعيد عسكري إلى تراجع شعبيته المنهكة أساساً.
لذلك يُرجَّح أن الوعيد لا يعدو كونه أمنيات يكررها ترامب في حدائق البيت الأبيض، يريد بها إخافة طهران من حرب لا يقدر هو على دفع ثمنها.