سرطان السوق وتسميم الأرض كيف تعصف مافيا المبيدات بالزراعة المستدامة ومحصول البطاطس في اليمن؟!
بقلم/ فتحي الذاري ||

تشكّل الزراعة في اليمن شريان الحياة الأخير لملايين السكان، والعصب المتبقي لوجود مجتمعات ريفية صامدة أمام الأزمات الاقتصادية والإنسانية العاصفة. غير أن هذا القطاع الحيوي يتعرض اليوم لعملية تجريف ممنهجة واعتداء غير مسبوق، لا بفعل الجفاف أو التغير المناخي فحسب، بل نتيجة تفكك خدمات الإرشاد والحماية الزراعية المستدامة، وسيادة فوضى عارمة في استيراد وتداول المبيدات والآفات النباتية. لقد تحولت الأرض اليمنية المعطاءة إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف المزارع، وتدمير البيولوجيا الزراعية، وتكريس نفوذ كارتلات الاحتكار وهواميرالمبيدات الذين يقايضون صحة المواطن وثروة الوطن مقابل الأرباح الهائلة والعمولات المنتفخة.
انهيار الحماية الرسمية وتفشي فوضى التداول
إن أول العوامل المطلوبة لتحقيق زراعة مستدامة تتمثل في وجود رقابة صارمة على مدخلات الإنتاج، وفي مقدمتها المبيدات والأسمدة الكيميائية. لكن الواقع الراهن في اليمن يكشف عن غياب شللٍ شبه تام لمنظومة الرقابة والخدمات الزراعية، وتوقف التأهيل والتدريب والمخصصات التشغيلية للكوادر الزراعية، مما أفسح المجال لظهور سوق سوداء عاتية.
العبث بالمبيدات المقيدة والمحظورة
تتدفق إلى الأسواق اليمنية كميات هائلة من المبيدات المقيدة بشدة أو المحظورة دولياً نظراً لخطورتها العالية على الصحة العامة والبيئة. يتم دخول هذه السموم عبر منافذ غير رسمية أو تحت مسميات تجارية مضللة، لتباع علناً في محلات التجزئة دون أي أدنى اشتراطات سلامة أو إرشادات استخدام.
غياب الإرشاد الزراعي الوقائي الميداني
في ظل تراجع دعم المرشد الزراعي والخبراء الميدانيين، أصبح المزارع الأمي أو البسيط يتلقى نصائحه الزراعية مباشرة من بائع المبيدات الذي يتحرك بدافع الربح والتصريف التجاري، وليس بدافع الحماية العلمية للمحصول والبيئة.
هوامير المبيدات واحتكار مدخلات الإنتاج
لا يمكن فصل هذه الفوضى عن هيكلية السوق التي سيطرت عليها مجموعة محدودة من كبار التجار والمستوردين الذين يشار إليهم بـ هوامير المبيدات. لقد استغل هؤلاء ضعف الضوابط والمؤسسات الرسمية لفرض هيمنة مطلقة على أرزاق المزارعين
احتكار خطوط الاستيراد والتوزيع
يقوم الهوامير بالتحكم في أسعار المواد الخام والمستحضرات الجاهزة، ويفرضون شروطاً إقراضية ومبيعات بالآجل تجعل المزارع مجبراً على شراء أصناف محددة بأسعار مضاعفة، مما يوقعه في فخ الديون المتراكمة لصالح تجار السموم.
فرض سياسة
الحزم المكتملة:يُجبر المزارع في كثير من الأحيان على شراء مبيدات غير ضرورية كشرط للحصول على الأسمدة أو البذور، في عملية ابتزاز تجاري تستنزف القدرة المالية للمزارع اليمني وتزيد من كلفة الإنتاج دون جدوى حقيقية.
قضية المانكوزيب ومحصول البطاطس.. عمولات الفساد وتدمير الإنتاج
يُعد محصول البطاطس من أهم المحاصيل الغذائية والنقدية في اليمن، حيث يعتمد عليه آلاف المزارعين في مناطق متعددة كذمار وصنعاء وعمران وإب. لكن هذا المحصول الاستراتيجي وقع ضحية صريحة لشبكات توزيع الفطريات والكيميائيات، وعلى رأسها المركّب الشهير مانكوزيب(Mancozeb).
لعبة العمولات والترويج المفرط
يُعد المانكوزيب مبيداً فطرياً وقائياً واسع الانتشار، غير أن طريقة تسويقه في اليمن خرجت عن كل القواعد العلمية. يقدم المستوردون والتجار عمولات سخية وبذخاً تشجيعياً لموزعي التجزئة والبائعين مقابل تصريف أكبر كميات ممكنة منه، مما دفع البائعين إلى إقناع المزارع برش المحصول بشكل أسبوعي أو حتى شبه يومي، وبجرعات تتجاوز الحدود المسموح بها أضعافاً مضاعفة.
خلق الاعتمادية الكاذبة
أدى الرش المفرط والعشوائي للمانكوزيب إلى إضعاف المناعة الطبيعية لنبات البطاطس، وتنشيط سلالات مقاومة من الفطريات (مثل اللفحة المتأخرة واللفحة المبكرة)، مما يضطر المزارع إلى زيادة الجرعات واستخدام مركبات أكثر سمية ورعباً، في دورة خبيثة لا رابح فيها إلا كارتل الاستيراد والتوزيع.
الأثر المتبقي والمخاطر الصحية
إن تراكم متبقيات المانكوزيب والمبيدات المصاحبة له في ثمار البطاطس وفي التربة والمياه الجوفية يمثل قنبلة موقوتة تهدد المستهلك اليمني بأمراض الفشل الكلوي والأورام السرطانية والاضطرابات الهرمونية، مما يحول الغذاء الأساسي للمواطنين إلى مصدر للداء.
ضياع البيولوجيا الزراعية والتوازن البيئي
إن أخطر الآثار غير المرئية لهذه الفوضى الكيميائية هي التدمير الشامل لـالبيولوجيا الزراعية والأنظمة البيئية النافعة في التربة والوديان اليمنية
إبادة الأعداء الطبيعيين
يؤدي الاستخدام العشوائي والمفرط للمبيدات العريضة الطيف إلى القضاء على الحشرات النافعة، والمفترسات الطبيعية، واليرافيات، والملقحات (كالنحل )، التي كانت تدعم التوازن البيولوجي وتكبح جماح الآفات طبيعياً دون تكلفة.
قتل التربة الحية
تتسبب السموم المتراكمة في القضاء على الكائنات الدقيقة والميكروبات النافعة وديدان الأرض التي تصنع خصوبة التربة وتمد النبات بالعناصر الغذائية.
أصبحت التربة اليمنية في العديد من المناطق تربة ميتة بيولوجياً، لا تنتج إلا بإضافة كميات هائلة من الأسمدة الكيميائية والمبيدات، مما يرفع كلفة الإنتاج ويفقد الأرض قدرتها على الاستدامة.
فقدان التنوع الحيوي النباتي والحيواني:
تسرب هذه المواد الكيميائية إلى الأودية والمياه الجوفية أدى إلى تلوث مصادر المياه وشرب الماشية، وتراجع التنوع النباتي الاصيل الذي كان يتميز به الريف اليمني.
المزارع اليمني بين التفقير الممنهج والتسميم القسري
في نهاية هذه السلسلة المأساوية يقف المزارع اليمني وحده اقتصادياًيعاني المزارع من تكاليف مدخلات زراعية باهظة تُشترى بالعملة الصعبة أو بأسعار سوداء، بينما يبيع محصوله بأسعار بخسة نتيجة ضعف القدرة الشرائية للمواطنين وغياب خدمات التسويق والتخزين الثلاجي. يسقط المزارع صريعة للديون لصالح تجار المبيدات، ليتحول في أرضه من مالك إلى مجرد عامل يفلح لحساب الهوامير. صحياً
يفتقر المزارعون إلى أدوات الحماية الشخصية والمعرفة العلمية لكيفية التعامل مع المواد الخطرة، مما يؤدي إلى حالات تسمم حاد ومزمن بين العمال الزراعيين وأسرهم، وانتشار الأمراض المستعصية في القرى الزراعية.
خارطة طريق لخروج الزراعة اليمنية من النفق المظلم
إن الخروج من هذه الكارثة الوطنية يتطلب إرادة حازمة ورؤية استراتيجية تتجاوز الحلول الترقيعية
إنهاء الاحتكار وضرب كارتلات السموم
تفكيك شبكات الاحتكار والمفاوضات المظلمة، وإخضاع تجار ومستوردي المبيدات لرقابة قانونية وصارمة، وتجريم منح العمولات المشبوهة على حساب سلامة المحاصيل والصحة العامة.
التفعيل الفوري للتشريعات والقوائم المحظورة
تحديث وقوائم المبيدات الممنوعة والمقيدة وفق المعايير الدولية (FAO/WHO)، وتفعيل أجهزة الرقابة والتفتيش في المنافذ الحدودية والأسواق المحلية، ومصادرة وإتلاف الشحنات المهربة والمغشوشة.
إعادة إحياء الإرشاد الزراعي المكافح
توفير الدعم الكافي للكوادر الزراعية الميدانية، وتدريب المرشدين وتزويدهم بالإمكانيات للوصول إلى المزارعين، وقطع الطريق على بائعي التجزئة والجملة والرقابة الفعلية على مافيا الجمعيات التعاونية الزراعية الذين يمارسون الإرشاد التجاري المضلل.
التحول نحو إدارة الآفات المدمجة (IPM) والزراعة النظيفة
دعم وتشجيع خيارات المكافحة البيولوجية، واستخدام الأنسجة والمقاومة الطبيعية، والتقليل التدريجي من الاعتماد على المركبات الكيميائية الثقيلة المانكوزيب، وتشجيع استخدام المبيدات الحيوية والبدائل الآمنة.
حماية محصول البطاطس والمحاصيل الاستراتيجية:
إنشاء برامج ملیة لحماية محصول البطاطس تعتمد على البذور المعتمدة المقاومة للأمراض، وتطبيق دورات زراعية علمية تعيد للتربة حيويتها وتحد من استنزافها كيميائياً.
إن حماية الزراعة المستدامة في اليمن ليست مجرد قضية تحسين إنتاجية أو تجارة عابرة؛ إنها قضية أمن قومي وسادة غذائية وصحة أجيال.
إن الاستمرار في غض الطرف عن فوضى المبيدات وعمولات تجار السموم، وترك المزارع صريعة لهوامير الاحتكار، هو حكم بالإعدام على الأرض اليمنية وعلى مستقبله الفلاحي. لقد حان الوقت لتستعيد المؤسسات دورها، وليتكاتف المجتمع والخبراء والإعلام الحر لكشف حقيقة هذه المافيا، واستعادة البيولوجيا الزراعيةوالكرامة للإنسان والأرض في يمن الحضارة والزراعة.




