الجمعة - 23 اكتوبر 2026
منذ 17 دقيقة
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

حرف واحد يكفي ليغيّر مصير موظف في العراق: الدال التي تسبق اسمه. وإلى جانبها ترى على اللافتات (المهندس) و(الحاج) و(الشيخ) و(السيد) و(الأستاذ)، وفوقها (سعادة) و(معالي) و(عناية). وفي الاحتفالات الرسمية يقرأ المُعرِّف هذه الصفات قراءة طويلة، حتى ينسى الحاضرون اسم صاحبها. تصل الألقاب قبل صاحبها بخطوات، وتأتي معه سيارة نقل مليانة بالعناوين.

وكل عملة تقوم على الغطاء، أي على ذهب وإنتاج يقابل ما يُطبع من ورق. فإذا زاد الورق على الرصيد جاء التضخم، وصار المال يشتري أقل كلما كثر. واللقب في أصله إيصال بمنجز: (دكتور) تعني سنوات من البحث، و(مهندس) تعني جسراً بُني، و(قائد) تعني رجالاً مشوا خلفه في معركة. فإذا انفصل اللقب عن المنجز صار ورقة بلا ذهب، يتبادلها الناس ما دام الجميع متفقين على التصديق.

وللعراقيين تجربة طويلة مع هذه المطابع. كان صدام حسين قطاراً من الصفات: القائد الضرورة، الأب القائد، فارس الأمة، صلاح الدين الثاني. وكانت القصائد والبرقيات والافتتاحيات تتسابق على صفة جديدة كل أسبوع، ثم مضى ذلك العهد وبقيت الألقاب معلّقة في الهواء بلا صاحب، فلم تنقذه واحدة منها. وفي الجوار قصص مشابهة: القذافي الذي نُصِّب (ملك ملوك أفريقيا) وهو يصرّ على أن يُنادى (الأخ العقيد)، ومصر التي ألغت ألقاب (الباشا) و(البك) بقرار رسمي، ثم بقي الناس ينادون بعضهم (يا باشا) في الشارع كأن اللقب الملغى عاد إلى السوق بعملة صغيرة.

لكن الحاكم ليس وحده المتعطش. فالمجتمع نفسه يطبع: بطاقات الزيارة التي تتسع لسطرين من الصفات، وصفحات التواصل التي تضع (رئيس الاتحاد الدولي للسلام والتنمية) أمام اسم صاحبها وهو لا يعرف عنوان الاتحاد. إنها مقايضة قديمة: أناديك بما تحب، وتناديني بما أحب. وللدافع النفسي اسم عند ألفرد أدلر (الطبيب النفسي النمساوي صاحب مفهوم عقدة النقص)، فمن يشعر بالنقص في داخله يعوّضه بعلامات خارجية تثبت للناس أنه كبير. ولهذا يلحّ على اللقب من هو أحوج إليه من غيره، فالذي عنده ما يقوله لا تهمه المقدمة.

وأوضح ما يظهر فيه هذا الداء هو الفضائيات. افتح أي برنامج حواري في المساء وانظر إلى الشريط الذي يمرّ تحت وجه الضيف: (رئيس مؤسسة للدراسات)، (مدير مركز للبحوث)، (مستشار استراتيجي). ثم ابحث عن المؤسسة فلن تجد لها مقراً ولا إصداراً واحداً، وعن المركز فلن تجد غير رقم هاتف وصفحة على فيسبوك. والاستراتيجيا في أصلها فن ربط الوسائل بالغايات على مدى بعيد، أي أن تعرف أين ستقف بعد عشر سنوات، لا أن تعلّق على خبر قرأناه قبل ساعة. لكنها صارت أكثر الكلمات استعمالاً وأقلها فهماً.

غير أن أخطر ما في الأمر يجري في أروقة الدوائر، وله اسم واحد: الدكتوراه. فحين تصير الشهادة هي المفتاح الأقرب إلى المناصب العليا، يتغير سلوك الموظفين كلهم. كان الطريق إلى منصب المدير العام أو الوزير يمرّ بالسيرة الذاتية، أي بتدرّج طويل: موظف، ثم رئيس قسم، ثم مدير، تُختبر فيه الخبرة والنزاهة والقدرة على الإدارة في كل خطوة. أما اليوم فقد وجد كثيرون طريقاً أقصر، فيدرسون الدكتوراه وهم جالسون إلى مكاتبهم في الوزارات، والغاية في أذهان بعضهم أن يصبحوا مديرين عامين يوماً ما، لا أن يضيفوا إلى المعرفة سطراً. وللحاجة سوق، والسوق يجد من يخدمه: رسائل تُكتب بالأجر، ووسطاء يروّجون، وجامعات تفتح الأبواب لمن يدفع. فتحوّلت الشهادة من ثمرة بحث إلى سلعة لها ثمن وزبائن.

والمصيبة الأكبر أن الشهادة نفسها تفقد مضمونها. فالمفروض أن يكون لتخصص الدكتوراه أثر في عمل صاحبه ومعرفته وطريقة تفكيره، لكنك تجد من يحمل دكتوراه في تخصص بعيد عن عمله بعداً تاماً، ويجلس على كرسي لا علاقة له به. وكثير ممن يُنادون بـ«الدكتور» يعانون فقراً في المعرفة والثقافة، فلا يُعرف لهم كتاب قرأوه ولا فكرة ناقشوها. وهنا يقع الظلم على الدكاترة الحقيقيين، أولئك الذين أمضوا سنوات من أعمارهم في المكتبات والمختبرات، فصاروا يُعدّون في الصف نفسه مع من جاء بالطريق المختصر.

وفي هذا السوق قانون قديم ينسب إلى توماس غريشام (تاجر إنجليزي ثري من عهد الملكة إليزابيث الأولى): العملة الرديئة تطرد الجيدة. وهذا ما يحدث عندنا. حين يصير كل أحد (دكتوراً) و(سيادة)، يتحرج صاحب الجهد الحقيقي من أن يزاحمهم بلقبه، فيتركه ويمضي. ويبقى في المحافل أصحاب الألقاب الكثيرة، ويذهب أصحاب الأعمال إلى بيوتهم.

وفي بلدان أخرى ( نسيمها كافرة ) يجري الأمر على غير هذا الوجه، فيُنادى المسؤول باسمه المجرد، ويقف في الطابور، وربما صعد دراجته إلى مكتبه، وإذا أخطأ قيل له ذلك صراحة. وفي تلك البلدان أيضاً جهات تراقب من يمنح اللقب ومن يحمله، ويُسأل صاحب الشهادة عما كتب وأين نشر. أما عندنا فالألقاب تُوزَّع بلا رقيب، ولا تُراجَع بعد أن تُمنح.

وفي هذا المناخ يصدق ما كتبه نيكولاي غوغول (الأديب الروسي، من أعظم من سخروا من البيروقراطية) في مسرحية (المفتش العام)، عن موظف صغير مفلس نزل في فندق بمدينة نائية، فظنّ أهلها أنه مفتش جاء من العاصمة. فتسابق المحافظ والقاضي ومدير المستشفى إلى إكرامه وإقراضه، وهو لم يقل لهم إنه مفتش. هم الذين ألبسوه اللقب ثم ركعوا له، لأن كل واحد منهم يخشى سؤالاً عن حساباته. اللقب هنا قفل على الخزينة، ومن يقترب منها يُتَّهم بقلة الأدب.

لا أدعو إلى حرب على الاحترام، فمن حق الطبيب والمعلم والمهندس والأكاديمي أن يُنادى بصفته التي تعب في تحصيلها. لكن العلاج أبسط مما نظن: أن نعيد للسيرة الذاتية مكانتها في الترقي، وللشهادة وزنها، فنسأل عن الخبرة وعن موضوع الرسالة وعن الجامعة التي منحتها، وأن نضع رقابة على من يمنح اللقب ومن يتزيّن به. ومن يبدأ بنفسه فيكتب على بطاقته اسمه ومهنته وحسب، يكون قد فعل أكثر مما تفعله كل المؤتمرات. وفي كل قاعة يكفي أن يتجرأ واحد فيسأل عن الرصيد، حتى تكتشف القاعة كلها أنها كانت تصفق لخزينة فارغة.

وسيأتي يوم يعود فيه صاحب الأوراق إلى بيته، فيغلق الباب ويخلع الأوسمة، ويجلس أمام المرآة، فيعرف عندها سعر ما جمع.