الجمعة - 23 اكتوبر 2026

من اليمن إلى إيران… هل تُعاد هندسة الشرق الأوسط بالنار؟!

منذ ساعتين
الجمعة - 23 اكتوبر 2026

أمين السكافي ||

 

 

 

لم يعد ما يجري في اليمن مواجهةً محلية بين الحوثيين وخصومهم، ولا حرباً سعودية ـ يمنية يمكن احتواؤها داخل الحدود. نحن أمام مشهد إقليمي تتداخل فيه المصالح العسكرية والاقتصادية، من مضيق هرمز إلى باب المندب، حيث تتحول الجغرافيا إلى سلاح، والممرات البحرية إلى أوراق ضغط في صراع تتجاوز أهدافه حدود المنطقة.

اليمن: من المواجهة إلى تهديد السعودية

منذ تجدد المعارك خلال الأشهر الماضية، وتصاعدها في أيلول وتشرين الأول 2026، انتقلت المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة. فقد كثّف الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والمسيّرات على أهداف سعودية، بينها منشآت نفطية ومطارات، فيما استأنفت الرياض غاراتها دعماً للقوات اليمنية المناهضة لهم.

وفي المقابل، توسعت العمليات داخل اليمن، خصوصاً حول تعز والساحل المطل على البحر الأحمر. وشهدت البلاد هجمات دامية على معسكرات للقوات الحكومية، فيما أدت المعارك والحصار إلى تفاقم النزوح ونقص الغذاء والدواء.

تريد القيادة السعودية منع الحوثيين من تحويل الأراضي اليمنية إلى منصة دائمة لاستنزاف المملكة وتهديد صادراتها النفطية. لكن الرياض تدرك أيضاً أن استعادة السيطرة بالقوة ليست مضمونة، وأن الحرب الطويلة قد تستنزف أمنها واقتصادها ومشروعها التنموي.

الإمارات: عودة بشروط وحسابات مختلفة

بعد خلافات سابقة مع السعودية بشأن مستقبل جنوب اليمن والقوى الانفصالية، تشير تقارير حديثة إلى عودة إماراتية لدعم قوات جنوبية، بينها ألوية العمالقة، بالتنسيق مع الرياض، مقابل توفير غطاء جوي سعودي.

لكن هذا التقارب لا يعني تطابق المشروعين. فأبوظبي تركز على نفوذها في الجنوب والموانئ والسواحل، فيما تسعى الرياض إلى حماية حدودها وإعادة تثبيت سلطة يمنية تستطيع التعامل معها. وهنا يبقى السؤال: هل تتوحد الأولويات فعلاً، أم أن الضرورة العسكرية تؤجل الخلافات ولا تنهيها؟ (The Guardian⁠)

مصر: حماية السعودية من دون الغرق في اليمن

تجد القاهرة نفسها أمام معادلة دقيقة: أمن السعودية جزء من أمنها العربي، والاضطراب في البحر الأحمر وباب المندب يمس قناة السويس مباشرة. وقد أعلنت مصر استعدادها لمساندة المملكة دفاعياً، فيما تأجل التصويت البرلماني على تفويض محتمل للتدخل العسكري إلى 26 تشرين الأول.

لكن الموقف المصري المعلن يميل إلى حماية الأراضي السعودية وتجنب توسيع الحرب داخل اليمن. فالتدخل الهجومي قد يفتح جبهة مكلفة، ويعيد مصر إلى تجربة عسكرية لا تريد تكرار أعبائها. (Reuters⁠)

إيران: ضغط بالنفوذ والممرات البحرية

تتهم الرياض الحوثيين بالعمل ضمن شبكة النفوذ الإيراني، بينما يؤكد الحوثيون أن قراراتهم تنطلق من حساباتهم اليمنية. والحقيقة أن العلاقة بين الطرفين وثيقة، لكن ذلك لا يكفي وحده لإثبات أن كل عملية حوثية تصدر بأمر إيراني مباشر.

طهران عرضت التوسط بين السعودية والحوثيين، إلا أنها قالت إن الطرفين لم يجيبا عن مبادرتها. وفي الوقت نفسه، تتصاعد المواجهة البحرية في الخليج ومضيق هرمز، مع تقارير عن استهداف سفن وتهديد الحرس الثوري بتوسيع المواجهة إلى القواعد الأميركية إذا استمر ما يصفه بالحصار البحري.

تستخدم إيران موقعها الجغرافي وقدراتها الصاروخية لرفع كلفة الضغط الأميركي والإسرائيلي عليها، لكنها تخاطر بأن تتحول هذه الأوراق إلى مبرر لمزيد من الضربات. (Reuters⁠)

لماذا إسرائيل الآن؟ وهل سترد إيران؟

في 22 تشرين الأول، أعلن بنيامين نتنياهو توجيه الأجهزة الأمنية للعمل على إسقاط النظام الإيراني، معتبراً أن ذلك السبيل لإنهاء التهديد النووي. جاء ذلك وسط تعثر المساعي الأميركية ـ الإيرانية، وتصاعد الحديث عن احتمال استئناف الضربات.

لذلك، يجب التمييز بين أمرين: استمرار الحرب والتوتر العسكري اللذين بدآ في شباط، وبين تنفيذ ضربة إسرائيلية جديدة خلال الأيام الأخيرة. لا تتوافر لديّ أدلة موثوقة كافية لتأكيد وقوع ضربة إسرائيلية جديدة داخل إيران في الأسبوع الأخير تحديداً.

أما الرد الإيراني، فاحتماله قائم إذا تعرضت إيران لهجوم جديد، وقد يأتي عبر الصواريخ والمسيّرات أو استهداف المصالح والقواعد الأميركية، أو عبر الضغط البحري. لكن توقيته وحجمه وأهدافه ليست أموراً محسومة، ولا يمكن تقديمها بوصفها وقائع.

العراق وتركيا وباكستان وأميركا: مَن يمنع الانفجار؟

يحاول العراق الحفاظ على موقع الوسيط، لأن اتساع الحرب يهدد استقراره واقتصاده وعلاقاته مع واشنطن وطهران والرياض. غير أن نجاح الوساطة يحتاج إلى تجاوب الأطراف، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

أما تركيا وباكستان، فتتحركان ضمن اتفاق الدفاع المشترك مع السعودية، الذي يجري العمل على استكمال إجراءاته. وتؤكد أنقرة وإسلام آباد أن التعاون دفاعي، لا إعلان حرب على إيران. وقد يشمل دعم الدفاعات الجوية والتنسيق العسكري، من دون أن يعني ذلك قراراً بإرسال قوات لمحاربة الحوثيين.

وتبقى الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيراً، لكنها تواجه معضلة: دعم السعودية وحماية الملاحة من دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة. وقدمت واشنطن دعماً استخبارياً، فيما أمرت بإجلاء موظفين غير أساسيين من السعودية احترازياً. (AP News⁠)

الخلاصة: المنطقة أمام مفترق طرق

ما يجري ليس جبهات منفصلة، بل صراع مترابط من اليمن إلى الخليج وإيران. والسيناريو الأخطر هو تزامن هجوم حوثي واسع مع ضربة إسرائيلية لإيران، بما يفتح أبواب المواجهة أمام أطراف إضافية.

أما السيناريو الممكن لتجنب الانفجار، فيبدأ بوقف استهداف المنشآت المدنية والنفطية، وتأمين الملاحة، وإعادة فتح قنوات التفاوض. فالانتصار العسكري، إن تحقق، لن يصنع استقراراً دائماً ما لم تُعالج جذور الصراع.

والسؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس مَن يملك الصاروخ الأبعد مدى، بل مَن يستطيع منع النار من التحول إلى حرب لا يملك أحد قرار إنهائها.