النخبة هي الحل: الحلقة الخامسة: النخبة في بلاد الرافدين..!
رياض الفرطوسي ||

قبل خمسة آلاف عام، في مدينة أوروك، اخترع أحدهم الكتابة. فكان الكاتب أول (نخبة) معرفية في التاريخ: قلة تتقن فك رموز المسمارية بعد سنوات من التدرب في (بيت الألواح)، وتسجّل الغلال والضرائب والعقود. كانت المعرفة سلطة، ومن يملكها يملك الدفتر الذي تُقاس به الحقوق.
لكن أحد أعظم الملوك الذين أتت بهم هذه الأرض اتخذ خطوة مختلفة. فحين جمع حمورابي شرائعه، لم يحفظها في خزائن الكتبة، بل نقشها على مسلة حجرية ونصبها في ساحة عامة، ليقرأها كل من استطاع، ويعرف كل إنسان ما له وما عليه. كانت تلك محاولة مبكرة لتحويل القانون من سرّ النخبة إلى ملك العامة. وهذا أول درس عراقي: النخبة التي تحتكر المعرفة تحكم، والتي تشاركها تبني.
وجاءت بغداد العباسية. وقد أسرف المؤرخون في مديح الخلفاء رعاة (بيت الحكمة)، وفي الأمر حق، لكن الحق الأكبر أن الحركة العلمية لم تقم برعاية القصر وحده، بل بتاجر يمول رحلة، ووراق يستنسخ كتاباً، وطالب يقطع المسافات ليسمع شيخاً. وحين ضعفت السلطة في عصور لاحقة، لم يتوقف العلم فوراً، لأنه كان قد صار في جذور المجتمع لا في بلاط الحاكم وحده.
وفي القرن العشرين، برزت نخبة ثقافية عراقية لا تقل عن أي نخبة في العالم العربي. نازك الملائكة وبدر شاكر السياب فتحا في أواخر الأربعينيات باباً جديداً في الشعر العربي. الجواهري ظل عقوداً صوت القصيدة الوطنية. علي الوردي، عالم الاجتماع، درس المجتمع العراقي بصراحة علمية، وتحدث عن ازدواجية القيم بين البداوة والحضر. لم يجلس في برج، بل نزل إلى المقاهي والأسواق، وكان مثالاً على ما سماه غرامشي المثقف العضوي.
وفي شارع المتنبي، الذي نال منه الإرهاب عام 2007 وسقط فيه ضحايا من الباعة والقراء، عاد الناس في الجمعة التالية إلى الأرصفة نفسها، يبيعون الكتب ويشترونها. وهذا مشهد يلخص علاقة العراقي بالكلمة: يتألم ولا يتخلى عنها.
إذن ما الذي تقوله الأرض التي اخترعت الكتابة؟ تقول إننا كنا دائماً شعباً يحترم العلم والكلمة، وإن ما نحتاجه هو أن تتكامل جهود النخبة الفكرية مع مؤسسات الدولة، فتجد الفكرة الجيدة طريقها إلى التعليم والقرار. فالدولة القوية تحتاج إلى عقول تنيرها، والعقول تحتاج إلى دولة تحتضنها وتوفر لها البيئة والتقدير.
وقد يكون هذا هو الجسر الذي ننشده: جامعات تُكرِّم الباحث، ومؤسسات ثقافية تُقدِّر الأديب، ودولة تستفيد من خبرة أبنائها في الداخل والخارج، وتفتح لهم الأبواب. وحين يلتقي العقل بالمؤسسة، تثمر الأرض.
في الحلقة الأخيرة نجمع الخيوط كلها، ونسأل: إذا كانت النخبة هي الحل، فأي نخبة نريد، وكيف نبنيها؟




