السبت - 26 سبتمبر 2026
منذ 48 دقيقة
السبت - 26 سبتمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

كيف أنجو، وكيف أفوز؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي يبقى للإنسان حين تسقط من حوله كل القوانين. لا شعارات تحميه، ولا مبادئ تنقذه، ولا نظام يرشده إلى الصواب. يقف وحيداً أمام لحظته، ويكتشف أن كل ما تعلّمه عن الخير والشر لا يفيده في شيء.

تخيّل مشهداً: حرب طاحنة، مدن تحترق، وجيوش تتقاتل من أجل خط رسمه أحدهم على خريطة لم يرها معظم من يموتون لأجلها. وسط هذا الركام الهائل من المبادئ والشعارات، يمشي أفراد لا تعنيهم الراية ولا الانقسام ولا التاريخ، بل يبحثون فقط عن طريقة يخرجون بها أحياء، أو عن مصلحة صغيرة تخصهم وحدهم. هذه المفارقة وحدها كافية لتلخيص شيء عميق عن طبيعة الإنسان: بينما تخوض الأمم حروبها باسم قيم كبرى، يبقى الفرد مشغولاً بسؤال أصغر وأكثر صدقاً: كيف أخرج من هذا الجحيم حياً؟

والأعجب أن من نصفه بـ”الطيب” في مثل هذه المواقف نادراً ما يكون طيباً بأي معيار أخلاقي حقيقي، ومن نتهمه بالانتهازية قد يكون أصدق الجميع مع نفسه، ومن يبدو الأكثر بساطة وسذاجة قد يكون في الحقيقة أكثرهم قدرة على الفهم والبقاء. فالخير والشر، حين تُختبر في لحظة حقيقية، ينكشفان كقناعين هشّين سرعان ما يسقطان أمام الجوع والخوف والرغبة في الاستمرار.

فالإنسان، أي إنسان، خليط لا يستقر على حال. يجوع فيتصرف بدافع الجوع، يخاف فيهرب أو يصمت، يُهان فيبتلع الإهانة أمام من يحب، وينفجر بها أمام من لا يستحق. يجد فرصة فيغتنمها دون كثير من الأسئلة، ثم يبكي على شيء فقده، ويعود بعد دقائق إلى الحياة وكأن شيئاً لم يكن. هذا التناقض ليس عيباً في الإنسان، بل هو جوهره. المشكلة الحقيقية تبدأ حين نصدق أن هناك من هو خيّر خالص، أو شرير خالص، لأن هذا التبسيط هو أول أبواب الخديعة.

وكلما اقتربنا من لحظات الأزمة الكبرى، ازدادت هذه الحقيقة وضوحاً. حين تشتعل الحروب باسم المبادئ الكبرى، غالباً ما يكون القرار الحقيقي بيد من يقف خارج دائرة الشعارات تماماً. فالجندي الذي يُرسل للموت من أجل خط على خارطة لا يعرف حتى لماذا رُسم هذا الخط، والقائد الذي يصدر الأوامر يعرف أحياناً في قرارة نفسه أن المعركة عبثية، لكنه يكمل، لأن التوقف يبدو أصعب من الاستمرار في القتل. وبين هذا وذاك، قد يظهر من لا علاقة له بالمبدأ ولا بالشعار، يبحث فقط عن مصلحته، فينهي بقرار بسيط ما عجزت عنه جيوش بأكملها.

وهذه من أقسى الحقائق التي يرفض كثيرون تصديقها: أن الحل أحياناً لا يأتي من صاحب المبدأ، بل من صاحب المصلحة الذي أراد فقط أن يمر يومه بسلام.

ثم هناك تلك اللحظة الأكثر إيلاماً، حين ندرك أننا نبني حياتنا اليومية، أسواقنا وأفراحنا وضحكاتنا، فوق أرض شهدت خسارات لا نتذكرها. نمشي فوق ذاكرة ثقيلة دون أن نشعر بثقلها، لأن النسيان أحياناً هو الطريقة الوحيدة لمواصلة الحياة. وهذه أيضاً صورة مصغرة عن الإنسان: كائن قادر على أن يبني فرحه فوق حزن لم يندمل بعد، لا لأنه قاسٍ، بل لأنه يريد أن يستمر.

لكن اللحظة الأهم في كل هذه الحكاية، اللحظة التي تختصر كل شيء، هي لحظة المواجهة الأخيرة. حين تقف الأطراف المتنازعة وجهاً لوجه، لا أحد يتكلم، والجميع يراقب الجميع، وكل طرف يظن أن القوة في يده، أو في سلاحه، أو في صوته الأعلى.

لكن الحقيقة، في أغلب هذه المواجهات، أن الطرف الذي ينتصر ليس بالضرورة الأقوى، ولا الأسرع، ولا الأعلى صوتاً. إنه الطرف الذي يعرف شيئاً لا يعرفه الآخرون. الطرف الذي درس اللعبة قبل أن تبدأ، وفهم نقاط ضعف خصومه، وأدرك متى يتحرك ومتى يصمت.

القوة الظاهرة تخدع صاحبها أكثر مما تخدع خصمه، لأنها تجعله يظن أن المواجهة عادلة، بينما هي في الحقيقة محسومة سلفاً لمن يملك المعلومة الصحيحة في اللحظة الصحيحة.

ولهذا فإن نصف القوة، ربما أكثر من نصفها، ليست في اليد التي تحمل السلاح، ولا في الصوت الذي يعلو في الخطاب، بل في العقل الذي يعرف أكثر مما يظهر، ويصمت حين يجب أن يصمت، ويتحرك حين تكون المعرفة قد رجحت كفته.

وهذه ليست دعوة إلى الحيلة أو الخداع، بل دعوة إلى إدراك حقيقة بسيطة يتجاهلها كثيرون: أن الجهل، مهما بدا مطمئناً، هو أخطر سلاح يُشهر ضد الإنسان، وأن من يجهل حقيقة موقفه، وحقيقة خصمه، وحقيقة اللحظة التي يعيشها، يدخل كل معاركه وهو أعزل، حتى لو كان يحمل أقوى الأسلحة.

فالإنسان الذي يفهم هذه اللعبة، لا يحتاج أن يكون الأقوى في كل شيء، ولا الأكثر حدة، ولا الأعلى صوتاً. يكفيه أن يكون أكثر وعياً بما يجري حوله، وأكثر قدرة على قراءة النوايا خلف الكلمات، والمصالح خلف الشعارات، والحقيقة خلف الضجيج.

وربما هذا هو الدرس الأعمق الذي يتكرر منذ فجر الإنسان: أن المعارك الكبرى لا تُحسم دائماً باللحظة الأخيرة من المواجهة، بل باللحظات الطويلة الصامتة التي تسبقها، حين يجمع أحد الأطراف المعلومة تلو الأخرى، بينما ينشغل الآخرون بإظهار القوة بدل امتلاكها فعلاً.

وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً فوق كل إنسان، في كل زمان: هل تملك السلاح، أم تملك الجرأة، أم تملك المعرفة؟

فالسلاح يمنحك لحظة.

والجرأة تمنحك محاولة.

أما المعرفة، فهي وحدها من تمنحك النصف الآخر من المعركة، ذاك النصف الذي لا يُرى، لكنه غالباً ما يكون الفارق الحقيقي بين من يبقى واقفاً، ومن يسقط دون أن يفهم لماذا.