سبتمبر: ثورة أُعلنت.. وثورة أُنجزت.. قراءة تحليلية في مسار 26 و21 سبتمبر.. بين الوعد والإنجاز؟!
أ. محمد البحر المحضار ||

في فلسفة الذكرى والجدوى
أن نحتفل بثورة مضى عليها اثنان وستون عاماً بينما لا نزال نتساءل عن مصير أهدافها، فتلك مفارقة تدعو للتأمل لا للتشكيك.
وأن نقف أمام عقد من الزمن على ثورة 21 سبتمبر التي أحدثت تحولاً استراتيجياً فارقاً رغم الحصار والحرب، فهذا يدعونا لقراءة المسار بمسؤولية ونزاهة.
نحن لا ننكر فضل الأوائل الذين ثاروا ضد الاستبداد والظلم في 26 سبتمبر 1962، ولا نبخس نضال الثوار الذين واجهوا التحالف الإقليمي في 21 سبتمبر 2014.
لكن الحقائق لا تُحاجّ بالعواطف؛ ومِن حق الشعب اليمني أن يتساءل: هل نُحيي ذكرى أهداف تحققت، أم أحلامٍ أُرجئت؟
هذه القراءة ليست مجرد استعراض تاريخي، بل هي محاكمة منصفة للنص والواقع، ولماذا بقيت بعض الشعارات حبراً على ورق، وكيف يمكن لليمن أن يستعيد جوهر جمهوريته المستقلة.
أولاً: أهداف 26 سبتمبر… بين الشكل والجوهر
التحرر من الاستبداد والاستعمار: إسقاط الإمامة وشكليّات الجمهورية لم يمنعا إعادة إنتاج الاستبداد.
طوال خمسة عقود، لم تشهد البلاد تداولاً سلمياً واحداً للسلطة، بل تعاقب الرؤساء عبر الانقلابات والتوافقات الإقليمية.
والمفارقة التاريخية تكمن في أن من يدّعون حماية “الجمهورية اليمنية” اليوم هم أنظمة ملكية وإمارات وراثية لا تمت للجمهورية بصلة.
بناء جيش وطني قوي:* شُيّدت المؤسسات العسكرية صورياً، لكنها أُديرت كمنظومة عائلية لحماية النظام وقمع الداخل.
ورغم ذلك، فإن التجربة الناشئة بعد 21 سبتمبر أثبتت تحولاً نوعياً في بناء قوة ردع استراتيجية وصناعات عسكرية كاسرة للتوازن الإقليمي، وإن كان بناء الجيش الوطني بمفهومه المؤسسي الشامل يظل مساراً ممتداً يتطلب استكمال أركانه.
*الرفع الاقتصادي والاجتماعي:* تضاعفت مؤشرات الفقر والبطالة والأمية رغم تدفق المليارات من إيرادات النفط خلال العقود الماضية.
واليوم، وإن كان الحصار ونقل وظائف البنك المركزي يسوغان الأزمة المعيشية الحالية، إلا أن ذلك لا يعفي الإدارة الوطنية من التزامها المستمر بإنعاش الاقتصاد وتخفيف أعباء المواطن.
*الديمقراطية والعدالة الاجتماعية:* غابت المحكمة الدستورية، وصُدّرت التعددية السياسية كواجهة لتثبيت الحزب الحاكم، ليبقى القرار مرهوناً بإرادة الفرد لا المؤسسة.
*الوحدة الوطنية:* فُرضت وحدة 1990 بآليات حرب 1994 المنحرفة، ليتحول المشروع الوطني الجامع إلى ممارسات إقصائية أنتجت أزمات سياسية وجنوبية لا تزال آثارها قائمة.
*الحياد الإيجابي والسيادة:* تحول “الحياد” إلى ارتهان متعاقب للمحاور الخارجية، بينما استُخدم الجيش لمواجهة الداخل في حروب صعدة واجتياح الجنوب وقمع الحراك السلمي، بدلاً من حماية الحدود والسيادة الوطنية.
*ثانياً: 21 سبتمبر… التحييد الجيوسياسي ومسار التصحيح*
بدأت 26 سبتمبر حركةً انقلاب عسكرية التحم بها الشعب لاحقاً فاكتسبت وصف “الثورة”، لكنها تعثرت في إنجاز مضامينها.
وفي المقابل، انطلقت 21 سبتمبر كحراك شعبي عارم ضد الفساد والوصاية الخارجية، لتشكل مساراً تصحيحياً يهدف لإعادة القرار الوطني إلى صنعاء.
*أبرز متغيّرات المعادلة:*
*إنهاء الوصاية:* قطع اليد الخارجية التي كانت تدير المشهد السياسي والسيادي من السفارات.
*الردع الاستراتيجي:* بناء معادلة عسكرية فرضت حضور اليمن كفاعل إقليمي في التوازنات الكبرى.
*الحفاظ على الدولة:* الصمود الهيكلي والمؤسسي طوال سنوات العدوان والحصار.
ومع هذه الإنجازات، فإن الاستحقاق الأكبر يكمن في الحزم ضد الممارسات الفردية، والإقصاء، والفساد المالي أو الإداري الذي يرتكبه بعض المتنفذين تحت مظلة الثورة.
إن حماية مكتسبات 21 سبتمبر تتطلب مواجهة هذه الاختلالات بصرامة لا تقل عن مواجهة العدوان الخارجي.
*ثالثاً: مفهوم الجمهورية والسيادة… تجارب مقارنة*
الجمهورية الحقيقية ليست مجرد يافطة حكامة، بل هي عقد اجتماعي قائم على التداول السلمي للسلطة، وسيادة القانون، والتعددية الفكرية، وحرية الاختيار.
ولعل التجربة الإيرانية تقدم نموذجاً لمزاوجة النظام الجمهوري التعددي مع المرجعية الفكرية؛ حيث تتعدد الأحزاب والمكونات، وتُجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بانتظام، مع الحفاظ على وحدة الدولة واستقلال قرارها السيادي والتصنيعي.
الاستشهاد بذاك النموذج يأتي في سياق التقاط التجربة النجاحية في إدارة الدولة والردع، لا في باب التبعية؛ فعلاقتنا بأطراف محور المقاومة هي علاقة ندّية قائمة على التحالف الاستراتيجي والشراكة في القضايا المصيرية، شأنها شأن العلاقات المتبادلة بين الدول ذات السيادة، شتان بينها وبين الوصاية الخليجية والأمريكية التي صادرت القرار اليمني لعقود.
*رابعاً: البعد التاريخي لثورة 14 أكتوبر*
إن نضال الشعب اليمني كتل متكاملة؛ فثورة 14 أكتوبر كانت حركة تحررية شعبية أصيلة ضد الاستعمار البريطاني حتى إنجاز الجلاء في 30 نوفمبر 1967.
غير أن التحديات الجيوسياسية اللاحقة وأدوات النفوذ المعاصرة أعادت إنتاج أدوار إقليمية تسعى للسيطرة على الموانئ والجزر اليمنية.
ومن هنا، تأتي 21 سبتمبر لتستكمل الغايات التحررية لثورتي سبتمبر وأكتوبر، وتثبّت الاستقلال الكامل للتراب الوطني.
*خاتمة: نحو جمهورية الإنجاز*
ليست العبرة بإنشاء الشعارات، بل بمدى تجسيدها في حياة الناس.
إن ثورة 26 سبتمبر أعلنت مبادئ سامية لكنها تاهت في زواريب الصراع والارتهان، وجاءت 21 سبتمبر لتعيد تثبيت السيادة والردع العسكري، ولا يزال أمامها الشوط الأهم: بناء مؤسسات العدالة، واستكمال الإصلاح الاقتصادي، وتحقيق المواطنة المتساوية.
سيبقى اليمن يتطلع إلى جمهوريته الناجزة…
جمهورية المؤسسات والقانون والسيادة المطلقة.
*#أما_بعد…*
فإن الثورات تُقاس بخواتيمها ومخرجاتها لا بوعودها.
نكتفي بهذا القدر وضعاً للنقاط على الحروف، وانحيازاً للجمهورية الحقيقية التي تخدم الشعب وتصون كرامته.
*#رفعت_الجلسة …*
*#البحر_المحضار …*



