الجمعة - 25 سبتمبر 2026

اتفاقية مكة ومقصلة اليمن حين تسحق البراغماتية مواثيق الأرض والسماء وتُباع حقوق الإنسان في سوق السلاح..!

منذ ساعة واحدة
الجمعة - 25 سبتمبر 2026

فتحي الذاري ||
 25 سبتمبر 2026

 

 

 

في أروقة الأمم المتحدة بنيويورك، حيث تُصاغ البيانات بمداد الدبلوماسية الناعمة وتُغلَّف المصالح بعبارات القانون الدولي وحسن الجوار، كان الواقع في اليمن يكتب بدم الأطفال والنساء فصلاً جديداً من فصول الخذلان التاريخي. إن الإعلان عن تفعيل اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان ليس مجرد ترتيب عسكري تقني، بل هو صرخة مدوية تعلن سقوط الأخلاق السياسية أمام بريق البترودولار وصفقات البيرقدار، وشهادة وفاة لما كان يسمى يوماً بـالتضامن الإسلامي.

مكة المكرمة.. بين قدسية الاسم ودنس الأجندات

يا لها من مفارقة موجعة، بل وخطيئة كبرى، أن يُقحم اسم مكة المكرمة –قبلة المسلمين ورمز السلام والأمان في اتفاقية عسكرية غايتها حشد الجيوش والعتاد لحماية نظام لم يترك في اليمن حجراً على حجر. إن القوانين السماوية التي نزل بها الوحي في رحاب مكة تؤكد أن هدم الكعبة حجراً حجراً أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم. فأين تركيا أردوغان وباكستان شهباز شريف من هذه الحقيقة؟ وكيف يستقيم التباكي على منشآت اقتصادية أو أهداف مدنية سعودية، بينما تُباد مدن يمنية كاملة، وتُحصد أرواح الآلاف في صعدة وصنعاء والحديدة وتعز، بقصف مباشر لم يستثنِ طفلاً في مدرسته، ولا مريضاً في مشفاه، ولا مشيعين في جنازة، ولا فرحين في عرس؟

إن استخدام اسم مكة غطاءً لاتفاقية دفاعية لتعزيز موقف المعتدي، هو استثمار رخيص للمقدسات لتبرير جرائم ضد الإنسانية يُندى لها جبين البشرية، ومحاولة بائسة لإضفاء صبغة القداسة على أفعال مدنسة بالدم.

المادة (51) وعور السياسة الدولية من يدافع عن من؟

يتحدث الوزراء الثلاثة (فيصل بن فرحان، هاكان فيدان، ومحمد إسحاق دار) بلهجة الواثق عن حق الدفاع عن النفس وفق المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة. وهنا يحق لـ 30 مليون إنسان يمني أن يصرخوا في وجه هذا الزيف أين كانت هذه المادة، وأين كان هذا الميثاق طوال اثني عشر عاماً من الإبادة الممنهجة؟

هل الدفاع عن النفس يمنح الحق في محاصرة شعب بأكمله جوعاً وعطشاً؟ هل يشرعن منع وصول الدواء لمرضى الفشل الكلوي والسرطان؟ إن المادة 51 لا تُعطي صكاً مفتوحاً لارتكاب “جرائم الحرب”. وما يمارسه النظام السعودي ضد اليمن هو جريمة مكتملة الأركان باعتراف المنظمات الدولية النزيهة. واليوم، تأتي أنقرة وإسلام آباد لتباركا هذا الإجرام وتشرعنا الحصار تحت مسمى المساندة في تلبية الاحتياجات العسكرية. إن السيادة التي يتباكون عليها هي سيادة العروش والآبار، أما سيادة الشعوب وحرمة دمائها فقد سقطت في حسابات التبادل التجاري ومصالح النخب الحاكمة.

انكسار الرهان على العمق الإسلامي تركيا وباكستان في الميزان الحقوقي
لقد كان الشعب اليمني، وهو يواجه أعتى ترسانة عسكرية عالمية، يتطلع بمرارة إلى تركيا التي تسوّق نفسها كحامية للمظلومين وقائدة لـ النهضة الإسلامية وإلى باكستان بثقلها النووي وتاريخها العسكري ليكونوا وسطاء سلام، أو رسل إغاثة لفك الحصار الجائر.

لكن البراغماتية القبيحة طغت على المبادئ. فبدلاً من إرسال الوفود الدبلوماسية لفتح مطار صنعاء أمام المرضى، أرسلوا رؤساء الأركان (الجنرال سلجوق بيرقدار أوغلو ونظراءه) لترتيب صفوف القتل المشترك. إن التاريخ لن يرحم، وسيسجل أن دولاً كبرى في العالم الإسلامي فضلت الاستثمارات والودائع السعودية على أنين أطفال اليمن في مشافي تكاد تخلو من الأوكسجين.

أليست الغارات التي استهدفت المدنيين، الموثقة بالصوت والصورة، مخالفة صارخة لكل الأعراف الدولية والإنسانية؟
ألم يسمع السيد هاكان فيدان، وهو الدبلوماسي المخضرم، أن الحصار على اليمن هو أكبر كارثة إنسانية صنعها الإنسان في العصر الحديث؟

كيف تغمض أعينكم عن 12 عاماً من الخنق الاقتصادي وتستيقظ ضمائركم فقط عند الحديث عن أمن المنشآت الاقتصادية في الرياض؟

مقارنة بين البيانات المنمقة والواقع المعاش
في البيان يتحدثون عن تحقيق السلام والاستقرار المستدامين. 

في الواقع السلام الذي ينشدونه هو سلام القبور لليمنيين، والاستقرار الذي يبحثون عنه هو استقرار تدفق النفط مقابل تدفق الأشلاء.
في البيان أمن الملاحة البحرية وحمايتها. 

في الواقع هم يحمون بوارج القتل وناقلات الرفاهية، بينما الملاحة لليمنيين تعني سفناً محتجزة لأشهر، وموانئ مغلقة، وقرصنة سعودية على لقمة عيش الصياد اليمني البسيط.
في البيان إدانة الاعتداءات الآثمة على المنشآت المدنية.

 في الواقعصمت مطبق وتواطؤ مفضوح تجاه تدمير البنية التحتية لليمن، من محطات الكهرباء إلى خزانات المياه والمزارع والجسور.

أين حقوق الإنسان في مواثيق الأمم البراغماتية؟
إن ما يحدث اليوم هو تسييس فاضح للحقوق. فحقوق الإنسان في اليمن أصبحت مجرد “ورقة تفاوض أو سلعة تُقايض بها المواقف. إن الأمم المتحدة التي احتضنت هذا الاجتماع الثلاثي المشؤوم في نيويورك، تبرهن مرة أخرى أنها نادي للأقوياءيمنح الشرعية لمن يملك المال والسلاح، ويغلق أبوابه في وجه الضحية.

إن حقوق الشعب اليمني في الحياة، في الغذاء، في التنقل، وفي الكرامة، ليست منحة من السعودية أو تركيا أو باكستان، بل هي حقوق أصيلة كفلتها الشرائع السماوية قبل المواثيق الوضعية. والالتفاف عليها عبر اتفاقيات دفاعيةهو مشاركة مباشرة في الجريمة.

رسالة من تحت الركام اليمن لن ينسى
إن اتفاقية مكة بصيغتها الحالية وبأطرافها المشاركة، هي حلف فضول مقلوب؛ فبدلاً من نصرة المظلوم، اجتمع القوم لتعزيز قبضة الظالم. يا قادة تركيا وباكستان.. إن الدفاع عن مكة الحقيقية يكون بالعدل، لا بتمكين من يعتدي على جاره العربي المسلم. إن اليمن الذي يئن تحت وطأة الحصار والدمار، لن ينسى هذه الطعنة في الخاصرة من إخوة العقيدة.

إن الاحتياجات العسكرية التي تبحثونها لن تجلب الأمن للمنطقة، بل ستصب الزيت على النار. الأمن الحقيقي يبدأ بوقف العدوان، وفك الحصار الشامل (براً وبحراً وجواً)، والاعتراف بحق الشعب اليمني في تقرير مصيره بعيداً عن الوصاية.
ستظل صرخات أطفال اليمن تطارد الموقعين على هذه الاتفاقية في كل محفل. وستبقى البراغماتية التي داست على حرمة الدماء وصمة عار في جبين كل من شارك في خنق شعب الإيمان والحكمة.

ارفعوا حصاركم، واكفوا طائراتكم، واعلموا أن الاستقرار لا يُبنى على أنقاض البيوت المهدمة، وأن مكة المكرمة براء من كل تحالف يشرعن قتل الأبرياء.

والعافية للمتقين…..
الله اكبر الموت لامريكا الموت لاسرائيل اللعنة على اليهود النصر للإسلام..