الأربعاء - 23 سبتمبر 2026
الأربعاء - 23 سبتمبر 2026

 الكاتب المحلل السياسي سعد الزبيدي ||

 

 

في بلد مثل العراق كل شيء فيه جائز، وربما المستحيل الذي نظن عدم وقوعه على أرض الواقع يصبح واقعا معاشا بالرغم من كونه مستحيلا، وربما أصبحت مقولة :- حدث العاقل بما لا يعقل فإن صدق فهو …..في العراق فقط عاقل فكل شيء جائز ,وليس هناك شيء محال .

حدثني أحدهم ،وهو أهل للثقة:- بأن ابن عمه تسلم منصبا مهما في الدولة بصفته حاملا لشهادة الدكتوراه ،والطريف بالموضوع أن هذا الدكتور حصل على الشهادة الدكتوراه بامتياز سوف يمتحن المتوسطة ،ثم الاعدادية، ثم الكلية، وبعد ذلك سيتحصل على الماجستير ، ليكمل مسيرته العلمية ،فسبحان الذي يمنح الشهادات بالمقلوب ،فما أجمل أن يصل بك العمر إلى مابعد الأربعين ،ثم تقرر ماذا تصبح ، وتحصل على شهادة بالمجال الذي تحبه بلا تعب ، ولا قراءة ،ولا بحث بين الكتب، ولا أطروحات ،ولا بكلوريا ،ولا سهر ليالي ،ولا مدرسين خصوصيين ،ولا تحمل الدوام في مدارس محطمة تتحمل برد الشتاء القارص، ولا حر الصيف اللهاب .

الأدهى والأمر أن شخصا لم يلتحق لكلية ما يوما واحدا تحصل على شهادة البكالوريوس في مجال ما ،وهو لا يعرف عن هذه الكلية شيئا ،ويروي لي أحدهم، وهو موظف في أحدى الجامعات الأهلية بأن معظم النواب الذين تحصلوا على شهادة متوسطة ،وأعدادية بقدرة قادر يلتحقون بالكليات الأهلية ،ويحصلوا على شهادة بكالوريوس ،وماجستير ،ودكتوراه من هذه الجامعات يحضرون ايام الامتحان ،وتعطى لهم الأسئلة ،والأجوبة في ذات الساعة ،ومن لا يعرف منهم القراءة ،والكتابة ،فهناك من ينوب عنه في حل الأسئلة .

شر البلية ما يضحك ،فكم من مهندس تخرج ،وهو لا يعرف جدول الضرب ،وكم من صيدلاني لا يعرف ناتج اتحاد ذرتي أوكسجين ،وذرتي هيدروجين ،وكم موظف حصل على شهادة الدكتوراه ،ولا يعرف شيئا عن مجال تخصصه ،وحينما تسأل بعض من يدعي أنه من أهل الدين عن شرعية التزوير ،والغش في الامتحانات ،والحصول على شهادات حقيقية يفتي لك بأن ذلك جائز، وجائز جدا خاصة إذا استخدم هذه الشهادة من أجل الترقية الوظيفية ،وزيادة الراتب، ونسي هذا المتدين أن يشرعن لسرقة فرص الحاصلين على تلك الشهادات بشق الأنفس، وأن المزور يحصل على راتب حرام مال سحت ،والإسلام ،ورسوله محمد صلى الله عليه وآله، وسلم يقول :- من غشنا ،فليس منا .

أصبح التزوير ،والكذب، والخداع ثقافة مجتمع متهاوي فلا غريب حينما نسمع أن أحدهم يبيع لحم حمير ،وكلاب ،ولحم خنزير، ولا نعرف صدقا ماذا يبع لنا القصابون الذين ماتت ضمائرهم ،وقتلهم الجشع ،والطمع من لحوم .

هنا سأروي لكم قصة على عجالة ،ففي تسعينات القرن المنصرم تعرفت على أحد الأخوة المسيحيين في تونس ،وكنا نتحدث عن تونس ،وبيع لحم الخيول فيها في المطاعم بصورة علنية ، وكان العراق رغم الحصار لم يتجرأ أحدهم على الغش في بيع اللحوم

لصرامة الدولة في محاسبة الذين يفكرون، ولو تفكير في هذه الجريمة ،وربما كان القصابون يبعوننا لحم خنزير( اللهم أعلم ) .

قال لي صاحبي الذي يقيم في اليونان أنه يعمل في مطعم يديره عراقي مسيحي أيضا ،وهذا المسيحي كان رقيق القلب، وكان كل يوم أحد يجمع العراقيين المغتربين الذين يتجمعون في مكان معين يأتي من يحتاجهم لكي يؤدوا له عملا ما أشبه بال(المسطر ) عندنا ،ويمتهنون اعمالا حرة لكسب قوت يومهم الذين لم يتحصلوا على عمل يوم الأحد، ويقدم لهم وجبة فطور مجانية تتضمن الكباب العراقي ،والمخلمة ،والقلية ،وما شابه ذلك. محدثي قال :- قلت لصاحبي أنت مسيحي ،ومعظم هؤلاء العراقيين مسلمين ،وأنت تقدم لهم لحم العجل، ولحم الخروف ،وهو غالي جدا ،فماذا لو قدمت لهم لحم خنزير، وهو أرخص لك بكثير من لحوم البقر والغنم دون أن يعلموا ؟!

فما كان من صاحب المطعم العراقي الأصيل المسيحي ذو الضمير الحي إلا أن استشاط غضبا ،وقال لي :- لولا أنني أعرف تربيتك ،وأخلاقك لطردتك للتو من هذا المطعم ،ولكني سأجيبك :- هؤلاء مسلمون ،وهم واضعون ثقتهم بي، أو تريدني أن أخون ثقتهم ،وأقدم لهم لحما هو محرم عليهم في دينهم من أجل أن يكون ما أقدم لهم أرخص فكلا ،وألف كلا لن أفعل ذلك ،وأغدر بهم ،وأخون ثقتهم بي مهما كلف الأمر .

قال محدثي :- ساعتها بكيت ،وأحتضنت صاحب المطعم العراقي المسيحي الأصيل ،وقلت له :- كنت أحبك مرة ،والآن أحبك ألف مرة لنزاهتك، وكرمك ،وشجاعتك، وأخلاقك .

العبرة لا تستهين بمن يغش في الامتحان ،ويزور، فهو كذاك القصاب الذي باعك لحم خنزير، وأنت غافل عما باعك ،وهو كذلك التاجر الذي يبيعك حاجة على أنها أصلية، وهي صينينة رخيصة اشتراها بتراب الفلوس، وهي تكلفك مئات الدولارات .

لا علاقة للدين بالأخلاق مطلقا فبعض المتدينين لا يعرف من الدين سوى طقوسه فهو يصلي ويصوم ويحج ولن تجد أثر الإسلام في تعاملاته ولو ولد رجل دين بوذيا ،أو يهوديا أو نصرانيا أو هندوسيا لمارس الطقوس وتكسب بالدين فكم من يدعي الدين يشرع للتزوير ،فأصبح التزوير ثقافة ،فمن باعنا اللحم هو مسلم ،ومن غشنا في بيع المواد هو مسلم ،ومن غشنا في تعليم ابناءنا ،فهو مسلم بالأسم فقط .

في المجتمعات الآيلة للسقوط تصبح الثقة معدومة لأن من يحكم هذه الشعوب طبقة فاسدة وصلت بالخداع، والتزوير، فكم نائب يمثل الشعب اشترى صوته بملايين الدنانيير ،وكم من نائب لا يحمل شهادة حقيقية ؟!

حينما يصل الكذابون ،والمزورن ،والغشاشون الى مصدر القرار لا تنتظر الخير منهم أبدا، فهم يعتبرون وصولهم للكرسي فرصة لاستراجع أموالهم التي دفعوها ثمنا لكرسيهم ،وكسب اموالا مضاعفة تضمن فوزهم مرات ومرات .

تذكر شيئا واحدا فقط من أوصلهم للكرسي من باع لحم الخنزير ،ومن أكل لحم الخنزير بملئ إرادته ،ومن غش في التعاملات ،وأكل اربا أضعافا مضاعفة، وغش، وسكت عن الحق ،وباع صوته بأبخس الأثمان ،وراح يطالب بحقوقه ممن ساهم في صعودهم إلى سدة الحكم .

ذات مرة كنت مديرا لمكتب أحدى النائبات السيدات، وأول ما علمت بفوزها ،وتم تنسيبها للجنة ما قالت لي:- علمني كيف أحصل على الأموال من هذه اللجنة ؟!

تذكر دائما ،وأبدا في عرف السياسة العراقية حيث تم الاتفاق بين من يقودون العملية السياسية منذ 2003 على أن لا يتم محاسبة رئيس حكومة مهما تكن جريمته في سرقة أموال ،أو أي جريمة أخرى ،وهذ هو الأدهى ،وأمر من أكل لحم الخنزير، فسرقة أموال الشعب من قبل رؤساء الحكومات المليارية تزكم الأنوف ،ولا من يحرك ساكنا لأننا أكلنا لحم خنزير ،وسكتنا عمن نعرف أنه تحصل على شهادة علمية بالتزوير، وعمن اشترى كرسي في البرلمان بمال سحت حرام .

ختاما صدق حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينا حينما قال :- إن الله غضب الله على أقوام كانوا إذا سرق فيهم الغني تركوه ،واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد ،فكم من حكم شديد على سرقات تافه ،وكم من حكم يدعو للضحك على جرائم بالمليارات تخفف لأن المجرم من الطبقة السياسية، فالتبرير أن المجرم في مقتبل العمر ،أو لكبر سنه، أو لعدم إرتكابه جرم سابق تتمنى أن تكون بدل هذا المجرم الذي إبتلع مليارات ،وفلت من العقاب .