الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026

بين صلوات الوفاء ونحيب الخيانة عار ومأساة بحجم وطن..!

منذ 3 ساعات
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2026

دينا الرميمة ||

 

 

 

حين يشتد صقيع العالم وحين تعرى المنافي ويشتد صقيع الغربة، لا نملك ملاذاً نلتحفه سوى عباءة الوطن. فهو المبتدأ والمنتهى، والأمان ، يبدأ كأغنيةٍ في فم الأمهات، وينتهي كملاذٍ أخير نلوذ به،

عادة الأوطان لاتحمل قلوباً قاسية، لكنها تحمل مرايا عادلة تعكس بدقة أفعال أبنائها وتتجلى فيها الحقيقة عارية دون تزييف،
فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية تُخط على الخرائط،ولا تراباً نعلّق عليه أخطانا، بل هو محرابٌ مقدّس يضمّنا بين جدرانه الحانية، وأمٌّ رؤوم تظلل أبناءها بعباءة الأمن والسكينة هو تلك الروح الخفية التي تمنحنا ملامحنا، وتؤثث وجداننا بالانتماء، هو كائن حي يتنفس بكرامة شبابه، ويشيخ بخذلان مقربيه.

وحين تمتد يدُ الابن لتعبث بهذا الملاذ او لتطعن الصدر الذي أرضعه، أو لتساوم على أمنه مقابل ثمنٍ بخس، لا نكون أمام جناية سياسية عابرة، بل نكون أمام شرخٍ كوني في الفطرة الإنسانية، فخيانة الوطن ليست مجرد خروجٍ عن القانون، بل هي انتحارٌ علني للضمير، وسقوطٌ مدوٍّ في قاع النكران، حيث لا أرض تقبل الرفات، ولا تاريخ يرحم الذكرى.”

إنها الخطيئة التي تقف أمامها الكلمات مذهولة، وتتجلى فجيعتها ومرارتها القصوى في تلك المسافة الروحية الشاسعة بين سجادة يفرشها الوطن للدعاء لأبنائه، وأخرى يفرشها للدعاء عليهم؛

ومابين السجادتين تكمن معاني الأوجاع التي لا تبرأ، والشرور السياسية التي تعصف بمستقبل الشعوب، والتي قد تجعل تراب الوطن يبكي صمتاً على خيبات لم يتوقعها من فلذات كبده و تصنع تاريخاً منقسمًا، يجعله يعيد ترتيب حساباته بناءً على الولاء لا على مجرد الانتماء، فما أبشع أن تتحول الصلاة التي كانت تطلب لك السداد، إلى نداءٍ يلاحقك باللعنة، وليس هناك أتعس ممَن تبرأت منه المنابر، وضاقت به الساحات، وبات اسماً تتجنبه الألسن طهارةً وعفة.وفي قاموس البشرية لا توجد خطيئة تفوق خطيئة رجل يؤجّر بندقيته لأعداء أرضه ليقتل أهله ويحتل مسقط رأسة، فثمة جراحٌ تلتئم بالوقت، وثمة خطايا قد يتسع لها رداء الصفح.. إلا طعنة الخيانة حين تأتي من الداخل، وحين يوجهها المرء إلى قلب الأرض التي أظلّته بسقفها.

وفي تاريخ اليمن العريق، كانت الأصالة هي المبتدأ والمنتهى، لكن الحروب والأزمات دائماً ما تُسقط الأقنعة، لتكشف عن فئة آثرت الفتات على الكرامة، وتجندت في صفوف الأعداء ضد بلدها وانخرطت في سلك “الارتزاق”، واختارت طواعية الوقوف تحت سحابة الغضب الإلهي، وأوقدت نيران الحرب على الأرض اليمنية،

على مدى اثني عشرة عاما والمرتزقة يصبون الزيت على نار هذه الحرب ويشبكون باصابعهم حواجز لحصار بلدهم التي أنبتتهم لقمة مغموسة بالدم والعار، حين جعلوا من أنفسهم مجرد أدوات تُستهلك ثم تُرمى مع كل باب يفتحونه للمحتل على حدودها وحملوا رقابهم ذنب كل جرم يرتكبه العدو السعودي، الذي سلحهم بسلاح المناطقية والطائفية البغيض وأفكار داعشية استحلوا بها الحرمات وباركوا كل تلك الدم التي سالت والجثث التي تفحمت بل وطالبوا بالمزيد، حتى أصبحوا عار ومأساة بحجم وطن
وعلى الرغم من أن هذه السنوات وماحدث فيها من بشاعة جعلت الكثير من شعوب العالم تغير قناعتها حول هذه الحرب وتنظم إلى صف اليمن لكتها لم تكن كافية لتجعل المرنزقة يدركون أن لا بديل عن الوطن إلا الوطن وأن العدو يستخدمهم لمصالحه وان الخزي سيبقى طوقاً وخزياً يلاحق كل من جعل من آلام شعبه سلماً لأمجاده الشخصية. تلعنه السجادة التي فرّط في بركتها، وتلاحقه الغربة أينما حلّ،

فالتاريخ لا يرحم، وهو المعلم الأكبر الذي يثبت دائماً أن الغزاة والأعداء لا يحترمون الخونة حتى وإن استفادوا منهم. وانهم في نظر مشغّليهم ليسوا سوى “وقود للمعارك” و”ورقة ضغط” تنتهي صلاحيتها بانتهاءالمصلحة. وفي عالم السياسة اليوم، لم تعد الحروب تشنها الجيوش الغريبة فقط، بل باتت طعنات الداخل هي الأكثر دموية وعمقاً.

قد يبرر البعض ارتزاقه بالظروف الاقتصادية أو الخصومات السياسية، الا أن الجوع لا يبرر بيع العرض، والحاجة لا تبرر هدم الوطن،
فالأموال التي يقبضها هؤلاء إنما هي ثمن مباشر لمعاناة ملايين اليمنيين، وثمن لدموع الأمهات الثكالى واليتامى، فقطرة دم يمنية واحدة تسيل بسبب وشاية أو رصاصة مرتزق تكشف زيف هذه المبررات، وتؤكد ان الخائن لا يبيع جغرافيا،بل ينسلخ من حكايته الأولى، ليصبح مجرد أداة في يد الغريب؛ أداة يُنتهى منها وتُلقى على رصيف النسيان بمجرد أن تؤدي غرضها. عارياً من الهوية، مطروداً من دفء الحكايات المشتركة، ملاحقاً بنظرات العار التي لا تغسلها أموال الأرض ولا وعود المنافي ولن يجد وطناً آخر يشتريه، وسيموت غريباً حتى وإن دُفن في ترابه،

وفي نهاية المطاف تبقى حقيقة واحدة ثابته وهي ان اليمن ستظل شامخة بهويتها وتاريخها وحضارتها، بينما المرتزقة سيسقطون في مزبلة التاريخ،

فكل الأثمان الزائفة تتبدد ويبقى الوطن حقيقةً ثابتة لا تزول تلتئم الجراح بكبرياء الشرفاء، وتطوى صفحة العابثين كأن لم يكونوا، فخسارة الوطن هي الخسارة التي لا يُرجى بعدها إياب.”