الاثنين - 21 سبتمبر 2026

خطاب عبد الملك الحوثي… ثبات وإدارة خطوط التماس..!

منذ ساعة واحدة
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

د. طالب الشوكة ||

 

 

 

يمثل خطاب عبد الملك الحوثي في 17 أيلول/سبتمبر محطة فارقة في الخطاب السياسي والجيوسياسي لجماعة “أنصار الله”، خصوصًا أنه جاء عقب حادثة أمنية وميدانية شديدة الحساسية، تمثلت في الاتهامات السعودية للجماعة باستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، وما تلا ذلك من صخب إعلامي وسجال ديني واسع. ولم يتصرف الخطاب مع الواقعة كحادث عابر، بل هدف بوضوح إلى احتواء التداعيات وإعادة سحب النقاش إلى المربع الذي يريده.

خصص الحوثي المساحة الأكبر لنفي تلك الاتهامات، واصفًا إياها بالإفتراء المحض وخلط الأوراق. وركز في المقابل على وضع المقدسات الإسلامية ضمن دائرة الخطوط الحمراء، في محاولة لسحب البساط من محاولات فرض ضغوط أخلاقية ودينية على الجماعة، بالتوازي مع الدعوة لمظاهرات شعبية لتفنيد الرواية السعودية وإظهار التماسك الداخلي. وعلى الصعيد الإقليمي، نفذ الخطاب إلى سياق أوسع عبر دعوة الدول الإسلامية لتشكيل تحالف لمواجهة التحركات الإسرائيلية، مشدداً في الوقت نفسه على ثبات موقف انصارالله من ملف الملاحة في البحر الأحمر. هذا الربط يعكس تعاطيًا ممتدًا مع ملف البحر الأحمر باعتباره أداة ضغط رئيسة في الصراع الدائر ، مع توجيه تحذيرات صريحة من أي تحركات عسكرية أو ضغوط اقتصادية جديدة قد تستهدف مناطق سيطرتهم.

أما على مستوى الداخل، فبرزت محاولة واضحة لتهدئة الشارع في المحافظات الجنوبية والشرقية، حيث حرص الحوثي على طمأنة السكان هناك بأن العمليات العسكرية لا تستهدفهم، وإنما توجه ضد التحشيدات العسكرية المناهضة والمدعومة من الخارج. وهي رسالة تحاول التمييز بين البيئة الشعبية والخصوم العسكريين للحفاظ على هدوء تلك المناطق.

اللافت في الخطاب أيضًا هو إبراز البعد الاقتصادي كعنصر حاسم في المعادلة الحالية، خصوصًا ما يتعلق بالإجراءات المصرفية والموانئ. ويبدو أن انصار الله تُسابق الزمن لمنع تآكل أوراق القوة التي بحوزتها سواء العسكرية أو البحرية أو التفاوضية عن طريق رفع كلفة أي تصعيد مقابل، وإبقاء خيار الرد المباشر حاضرًا.

وبذلك يمكن قراءة خطاب عبد الملك الحوثي بوصفه خطاب ثبات وإدارة لخطوط التماس؛ فهو من جهة يسعى إلى احتواء التداعيات السياسية والدينية والإعلامية للحادثة، ومن جهة أخرى يوجه رسائل واضحة إلى الخصوم بأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية لن تمر من دون رد، مع استمرار ربط الساحة اليمنية بالتطورات الإقليمية والبحر الأحمر.إنها محاولة للحفاظ على توازن دقيق:

تهدئة الداخل، واحتواء التداعيات الدينية والإعلامية، وفي الوقت نفسه إبقاء العصا العسكرية مرفوعة في وجه أي ضغوط جديدة.
للإمساك بالعصا من المنتصف بين التهدئة والردع.