الاثنين - 21 سبتمبر 2026

تجار الكلام: صانعو الخراب الحلقة السادسة: جذور الاستبداد والوعي الغائب..!

منذ ساعتين
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

 رياض الفرطوسي ||

 

 

حين نفتح الملف التاريخي والمفهومي للثقافة السياسية السائدة، فنحن لا نطرح نقداً عرقياً أو تحريضياً، بل نقدم تشخيصاً معرفياً وتاريخياً لكيفية تسرب مفاهيم الحكم الإمبراطوري القديم (كالنموذج الساساني) إلى اللاوعي السياسي العربي والعراقي، وكيف ساهم ذلك في إبعاد الفكرة المدنية للدولة.

دخول أدبيات الحكم المطلق
في الصدر الأول للإسلام، اعتمدت إدارة الحكم على الشورى، والأمانة، والمسؤولية المباشرة أمام الناس. لكن مع اتساع رقعة الدولة واختلاط الحضارات، تسربت مفاهيم الحاضنة الإمبراطورية القديمة القائمة على تقديس ذات الحاكم ووراثة النفوذ.

الكتب التي صُنفت في العصور العباسية تحت مسمى “آداب السلطانية”، ونقل ألقاب مثل “ساية يزدان” لتصبح “ظل الله في الأرض”، أدخلت بروتوكولات الاحتجاب والتقديس. تحول المسؤول من وكيل يخضع للمحاسبة والتقييم، إلى سلطان يمسك بمقدرات البلاد والعباد بحق مطلق.

تفريغ السياسة من مضمونها المدني
تسللت فكرة “الوراثة والتمثيل المطلق” إلى الأحزاب والتنظيمات السياسية الحديثة. أصبحت السلطة تُفهم بوصفها حقاً حصرياً لطائفة، أو حزباً، أو عائلة، دون بقية المواطنين. سُلب من السياسة معناها المدني القائم على الكفاءة، والبرامج العملية، وتداول السلطة، للتحول إلى صراع محصصاتي على المغانم والمناصب.

وما زلنا نعيش آثار هذا الموروث المعرفي؛ فالسياسي يرى نفسه أرفع من القانون والمساءلة، والجمهور يُساق أحياناً للتعامل مع المسؤول وكأنه يتفضل عليه بالخدمات، بدلاً من محاسبته بوصفه موظفاً يُتقاضى أجره من المال العام.

خاتمة السلسلة
من الصفوة المصنوعة التي لا تعبر عن الشارع، إلى معامل الغربة في المؤسسات التعليمية والعسكرية، مروراً بتجار الشعارات، والديمقراطيات الشكلية، ووصولاً إلى شهوة الكرسي وجذور الاستبداد؛ نكتشف أن الأزمة الكبرى في تاريخنا الحديث هي الفصل التام بين الكلمات والأشياء.

نخب تتعاطى شعارات لا تطابق واقع الناس، ومؤسسات تعيد إنتاج الأفراد المغتربين عن مجتمعهم، وأفكار سياسية أصبحت مجرد هياكل مستوردة أو موروثات سلطوية لم يخضعها أحد للنقد والتمحيص.

إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة لن يتحقق بتبديل الوجوه السياسية أو إعادة تدوير الأحزاب، بل يبدأ بوعي مجتمعي جاد يفكك ثقافة الاستبداد في الأسرة والمدرسة والمؤسسة، وينتج نخبة جديدة تصعد من قاع الواقع العراقي، لتستعيد مفهوم الدولة القائمة على الفاعلية، والمواطنة، وسيادة القانون.