الشرق الأوسط بين العقيدة والجغرافيا والسياسة .. حان وقت وضع النقاط على الحروف..!
د. أحمد الاعرجي ||

لابد أن نضع النقاط على الحروف وأن نتحدث عن الشرق الأوسط كما هو لا كما تريد القوى الكبرى أن نراه .
المنطقة لم تعد مجرد ساحة صراع بين دول متجاورة بل أصبحت نقطة تقاطع بين الدين والتاريخ والجغرافيا والمصالح الدولية وبين مشروع إسرائيلي يريد تثبيت أمنه وتوسيع نفوذه ومصالح أمريكية وغربية ترى في المنطقة موقعاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه .
لذلك من الخطأ اختزال الصراع في مواجهة بين شعوب أو أديان او ماشابه ذلك .
فاليهود ليسوا كتلة سياسية واحدة كما أن المسلمين ليسوا كتلة واحدة والشيعة ليسوا مشروعاً سياسياً واحداً .
هناك يهود يعارضون سياسات الحكومات الإسرائيلية وهناك مسلمون يختلفون في رؤيتهم لإسرائيل والولايات المتحدة ، كما أن المواقف داخل العالم الإسلامي بشيعته وسنته متعددة ومتشابكه .
لذلك يجب أن نفرق بين الدين كعقيدة والدولة كمؤسسة والمشروع السياسي هو خيار بشري .
لكن السؤال الحقيقي يبقى عندنا ..
لماذا تحولت القضية الإسرائيلية إلى أحد أهم أسباب اضطراب الشرق الأوسط ؟!!
منذ قيام إسرائيل ارتبط الصراع بقضية الأرض والحدود وحقوق الفلسطينيين ثم توسعت المعادلة لتصبح مرتبطة بالأمن الإقليمي والتحالفات الدولية .
لذلك مع مرور الزمن أصبحت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول غربية أخرى أطرافاً مؤثرة بدرجات مختلفة في صياغة المشهد سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الدبلوماسي .
وهنا لا بد ان اقول بوضوح .. انتقاد السياسات الإسرائيلية لا يعني معاداة اليهود وانتقاد السياسات الأمريكية والغربية لا يعني العداء للشعوب الغربية فهنا لابد التمييز والمعرفة .
المشكلة اليوم ليست في الشعوب وإنما في السياسات التي تؤدي إلى استمرار الاحتلال أو توسيع دائرة الحرب أو تجاوز على سيادة الدول .
أما إيران فمن الخطأ التعامل معها بمنطق إسقاط النظام عسكرياً .
التجربة خير برهان ، إيران دولة ذات قدرات عسكرية وسياسية وجغرافية كبيرة وأن أي محاولة لكسرها بالقوة قد تفتح أبواباً لحرب أوسع بدل أن تنهي الصراع وايران معروفة بذات النفس الطويل .
وفي المقابل فإن هذا لا يعني أن كل سياسة إيرانية يجب أن تكون فوق النقد .
بل إن القاعدة يجب أن تكون واحدة على الجميع .. احترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضيها ساحة للصراعات الإقليمية والدولية .
ولهذا أصبح اليوم مضيق هرمز نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة .
فالمواجهة اليوم حوله-مضيق هرمز- لم تعد قضية بحرية فقط وإنما أصبحت جزءاً من صراع على النفوذ والسيادة والأمن والطاقة .
لذلك حينما نقراء التطورات الأخيرة جيوسياسياً أن استمرار الصراع العسكري يرفع المخاطر على المنطقة والعالم بينما تبقى الدبلوماسية هي الطريق الأكثر واقعية للخروج من المأزق وهدم الشعوب .
وهنا تقع المسؤولية الكبرى على الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الغربية المؤثرة .. إذا كانت تريد شرق أوسط مستقراً فعليها أن تدرك أن القوة العسكرية وحدها لا تستطيع صناعة الاستقرار .
وبالمقابل على جميع دول المنطقة أن تدرك أن الرد بالمثل والتدخلات العابرة للحدود واستخدام الوكلاء لا يمكن أن يبني نظاماً إقليمياً مستقراً .
والحل لتلك التوترات او الحروب بالوكالة او الاصالة هي ليس في إسقاط هذا الطرف أو إذلال ذاك الطرف وإنما في بناء معادلة أمن إقليمي تقوم على الحوار واحترام الحدود وحماية المدنيين وحل القضية الفلسطينية على أساس عادل ومنع تحويل الدول إلى ساحات حرب بالوكالة .
لقد جُرّبت الحرب مرات كثيرة وكانت النتيجة مزيداً من الدماء والخراب والكراهية .
أما السلام فلم يُجرّب بالجدية نفسها ولذلك إذا أرادت واشنطن وتل أبيب والعواصم الغربية فعلاً إنهاء دوامة الحروب فعليها أن تنتقل من سياسة فرض الإرادة إلى سياسة التفاوض ومن منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة وبصدق و بدون مراوغة .
فالشرق الأوسط لن يستقر بإلغاء طرف ولا بإسقاط دولة ولا بانتصار عقيدة على عقيدة وإنما عندما تُحترم سيادة الجميع وتُحل القضايا العالقة بالسياسة ويصبح الإنسان وحقوقه في الحياة والأمن والكرامة هو الخط الاحمر لكل هذه الصراعات .




