الاثنين - 21 سبتمبر 2026
منذ 4 ساعات
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

د.  رعد هادي جبارة ||
الأمين العام للمجمع القرآني الدولي

 

 

 

🔗خصوصية المفردةالقرآنية-90

المتن:
📌[عمى الأبصار و عمى القلوب(2_2) المقال الثاني من مقالين]في الحلقة السابقة، توقّفنا عند قوله تعالى:
{فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}
[الحج: 46]
وبيّنّا أن القرآن لا ينفي العمى الحسي، وإنما يكشف عن نوع آخر من العمى، يتعلق بالقلب حين يفقد قدرته على إدراك الحق والاعتبار بآيات الله.
📌ومن هنا يبرز سؤال الحلقة الثانية من بحثنا:
إذا كان هناك عمى في القلب، فما الذي يقابله؟ وما البصيرة التي يطلبها الإنسان؟
وهل البصيرة مجرد ذكاء وفطنة وسرعة بديهة؟ أم أن القرآن يمنح هذه الكلمة معنى أعمق وأدق؟
والجواب عن ذلك يقودنا إلى واحدة من أجمل الخصائص الدلالية في التعبير القرآني.

📌البصيرة ليست مجرد ذكاء
تستعمل كلمة «البصيرة» في كلام الناس بمعانٍ متعددة؛ فقد يوصف الإنسان بأنه بصير بالأمور، أي خبير بها، نافذ الفهم فيها، سريع الإدراك، حسن التمييز.وهذه معانٍ صحيحة في أصل الاستعمال اللغوي. لكن البصيرة في القرآن أوسع من مجرد الذكاء، وأعمق من مجرد الفطنة؛
🔹فقد يكون الإنسان شديد الذكاء، واسع المعرفة، قوي الذاكرة، دقيق التحليل، ومع ذلك لا يكون بصيرًا بالحق.
🔹وقد يمتلك القدرة على اكتشاف الوسائل، لكنه لا يعرف الغاية.
🔹وقد يعرف كيف يحقق ما يريد، لكنه لا يعرف هل ما يريده حق أم باطل.
🔹إذن فالمشكلة ليست دائمًا في قوة العقل، وإنما في وجهة الإدراك ومآله.

🔹والبصيرة القرآنية هي إدراك يهدي إلى الحق، ويكشف للإنسان طريقه، ويجعله قادرًا على التمييز بين الهدى والضلال، ثم يحمله على اتخاذ الموقف الذي يقتضيه هذا الإدراك.
🔹ولهذا جاء القرآن بلفظ بالغ الدلالة:
{قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا}
[الأنعام: 104]
🔹فتأمل:
بصائر ← أبصر ← عمي.
إنها شبكة لفظية متكاملة.
🔹فالبصائر تأتي من الله، ومن يتعامل معها بالإبصار ينتفع بها، ومن يعرض عنها يقع في العمى.

📌لماذا قال القرآن «بصائر»؟
لماذا لم يقل القرآن مثلًا:
(قد جاءتكم علوم من ربكم)، أو «آيات»، أو «حجج» فقط؟
لقد استخدم لفظ «بصائر»، وهي جمع «بصيرة».
والبصيرة مرتبطة في أصلها بالإبصار؛ أي أن وظيفتها أن تجعل الإنسان يرى ما لا يكفي فيه النظر الحسي وحده.
🔹ولهذا فإن تسمية آيات الله بصائر تحمل معنى بالغ العمق:
#الوحي لا يضيف إلى الإنسان معلومات فحسب، وإنما يفتح له نافذة على الحقيقة.
#إنه يجعله يبصر حقيقة نفسه،
#وحقيقة الدنيا،
#وحقيقة الآخرة،
#وحقيقة الخير والشر،
#وحقيقة الطريق الذي يسلكه.
🔹ومن هنا كان القرآن كتاب هداية، لا كتاب معلومات مجردة.

📌البصائر من ربكم
قال سبحانه:
{قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ}
وتأمّل التعبير:
👈🏽«من ربكم».
🔹فمصدر البصائر هو الله.وهذه نقطة أساسية في فهم المفردة.

🔹فالبصيرة القرآنية ليست اختراعًا بشريًا، ولا مجرد نتيجة لتراكم التجارب، وإن كانت التجربة والتفكر والنظر وسائل نافعة في تحصيلها.
لكن أصل البصيرة التي تهدي إلى الحق مرتبط بالهداية الإلهية.

🔹فالإنسان قد يمتلك حواسًا وعقلًا وتجارب، لكنه يحتاج إلى نور يهديه إلى كيفية قراءة ما يرى ويسمع.
ولهذا قال تعالى:
{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}
وقال سبحانه:
{قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}
[المائدة: 15]

🔹فالنور يكشف، 🔹والكتاب يبين، 🔹والبصيرة تهدي.

📌«بصيرة»في المفرد
وردت كلمة «بصيرة» في القرآن الكريم في موضعين بارزين.
🔹الأول قوله تعالى:
{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}
[القيامة: 14-15]
🔹والثاني:
{قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
[يوسف: 108]
والتأمل في الآيتين يكشف لنا أن «البصيرة» ليست معنى واحدًا جامدًا، وإنما يجمعها أصل واحد هو وضوح المعرفة وانكشاف الحقيقة.

📌الإنسان بصيرة على نفسه
قال تعالى:
{بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}»
أي إن الإنسان أعلم بنفسه وأعماله ودوافعه من غيره، ولذلك لا تنفعه المعاذير الكاذبة التي قد يحاول أن يقدمها أمام الآخرين.
فهو يعرف حقيقة نفسه.
🔹يعرف لماذا فعل.
🔹ويعرف ما الذي كان يقصده.
🔹ويعرف ما أخفى وما أظهر.

إنها بصيرة داخلية تكشف للإنسان نفسه.
وهنا تتصل البصيرة بالمسؤولية؛ لأن الإنسان إذا كان بصيرًا بنفسه، فلا يستطيع أن يهرب من حقيقة عمله بمجرد صناعة الأعذار.
🔹والدعوة إلى الله على بصيرة
أما الموضع الثاني فقال تعالى:
{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}
وهنا تنتقل البصيرة من معرفة الإنسان بنفسه إلى معرفة الطريق الذي يدعو إليه.
فالدعوة إلى الله لا تقوم على الجهل، ولا على الانفعال وحده، ولا على مجرد حسن النية.
بل:
{عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}
أي على علم ووضوح وحجة وإدراك لطريق الدعوة ومقصدها.
وهذه من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي إلى الله والعالم والمربي والمصلح.

📌البصيرة ليست كثرة الكلام
ومن هنا يمكن أن نفهم أن البصيرة
🔹لاتقاس بكثرةالمعلومات
🔹ولا بكثرة الكلام، 🔹ولا بكثرة الجدل.

#قد يتحدث الإنسان طويلًا، لكنه لا يكون بصيرًا.
#وقد يحفظ آلاف النصوص، لكنه لا يحسن تنزيلها.
#وقد يعرف الخلافات بين المفاهيم والمواقف كلها، لكنه لا يعرف الحق الذي ينبغي أن يتبعه.
#وقد يكون قليل الكلام، لكنه يرى الأمور بنور من الله، ويعرف أين يضع قدمه.
ولهذا فإن قوله تعالى:
{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}
يضع البصيرة قبل الدعوة.
فلا يكفي أن يريد الإنسان الخير؛ بل ينبغي أن يعرف الخير الذي يدعو إليه، والطريق الذي يسلكه إليه، والحكمة التي يضع بها كلمته في موضعها.

📌بصائر الوحي
ومن أجمل ما يلفت النظر في هذا السياق أن القرآن سمّى نفسه وما جاء به من هدى بصائر.
قال تعالى:
{هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
[الجاثية: 20]
وقال سبحانه:
{هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
[الأعراف: 203]
فالقرآن ليس كتابًا يقرأه الإنسان ليزداد معلومات فحسب، وإنما هو بصائر؛ أي آيات تفتح له أبواب الإدراك والهداية.
وإذا كان الإنسان قد يملك العين ولا يبصر، فإن القرآن يمنحه البصيرة التي تعينه على أن يرى الحقيقة.
🔹وهنا تتضح العلاقة بين الحلقتين:
عمى القلب يحتاج إلى بصيرة، والبصيرة تحتاج إلى نور، ونور الهداية يجد من أعظم موارده في كتاب الله.

📌خير وسيلة لتحصيل البصيرة: التدبر في القرآن
ومن هنا يمكن القول:
إن خير وسيلة لتحصيل البصيرة هو التدبر في القرآن الكريم ومعرفة آياته؛ فإن المتكلم هو الله عز وجل.
وقد وصف الله تعالى كتابه الكريم بكونه #بصائر،
🔹فكلما أقبل الإنسان على القرآن تدبرًا وفهمًا واعتبارًا، لم يكن يزداد معلومات فقط، بل كان يدرّب قلبه على الإبصار.
🔹إن القرآن ينقل الإنسان من:
#المعلومة إلى الفهم،
#ومن الفهم إلى الاعتبار،
#ومن الاعتبار إلى البصيرة،
#ومن البصيرة إلى الهداية والعمل.

وهذه هي الغاية التي ينبغي أن يتوجه إليها التدبر.

🔹البصير من يسمع فيتفكر
ولعل من أجمل ما يلخص هذا المعنى ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب ع:
«فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، وَنَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ، ثُمَّ سَلَكَ جَدَدًا وَاضِحًا يَتَجَنَّبُ فِيهِ الصَّرْعَةَ فِي الْمَهَاوِي، وَالضَّلَالَ فِي الْمَغَاوِي».
وهو معنى بالغ العمق؛ لأن الإمام ع لا يجعل البصير مجرد إنسان يرى، وإنما يرسم له منهجًا متكاملًا للبصيرة:
سمْع → تفكّر → نظر → إبصار → انتفاع بالعبر → سلوك الطريق الواضح.
🔹فالسماع وحده لا يكفي.
🔹والنظر وحده لا يكفي.
🔹والتفكر وحده إذا لم يثمر إبصارًا لا يكفي.
🔹والإبصار إذا لم يتحول إلى انتفاع بالعبر لا يكفي.

حتى تصل العملية كلها إلى غايتها:
«ثُمَّ سَلَكَ جَدَدًا وَاضِحًا»
أي طريقًا واضحًا مستقيمًا.
وهكذا تتحول البصيرة إلى منهج حياة.

📌من «البصائر» إلى «البصيرة»
وهنا نلاحظ جمال الانتقال بين المفرد والجمع في الاستعمال القرآني.
#فـ «البصائر» هي الآيات والحجج والبينات التي تأتي من الله وتكشف الطريق.
#أما «البصيرة» فهي حالة الإدراك والوضوح التي يكون عليها الإنسان في تعامله مع الحقيقة.

فيمكن تقريب المعنى هكذا:

البصائر من الله، والبصيرة في الإنسان ثمرة الانتفاع بها.
فالبصائر معروضة، لكن ليس كل الناس يبصرون بها.
وهنا يظهر الاختيار الإنساني.
فالقرآن بين يدي الجميع، ولكن أثره في القلوب ليس واحدًا.
والآيات تتلى، ولكن الناس أمامها فريقان:

🔹من يسمع فيتفكر.
🔹ومن يسمع فلا يتجاوز السمع.

📌البصيرة والعمل
والبصيرة الحقيقية لا تبقى حبيسة العقل.
إذا عرف الإنسان الحق ثم لم يعمل به، فقد حصل على المعرفة لكنه لم يبلغ تمام البصيرة.
ولهذا جاءت البصيرة في القرآن مرتبطة بالطريق والعمل والدعوة والهداية.
قال تعالى:
{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}
وقال:
{فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ}
فالإبصار الحقيقي يغيّر صاحبه.
إن رأى الحقيقة ولم تغير سلوكه، فهناك شيء ناقص في مسيرة الإدراك.

📌البصيرة في زمن كثرة المعلومات
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى هذا المفهوم القرآني.
فالعصر الحديث أغرق الإنسان في المعلومات، حتى أصبح يستطيع في دقائق أن يصل إلى آلاف الآراء و التفسيرات و التحليلات والأخبار.
لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة كثرة البصيرة.
بل ربما كان الإنسان في حاجة إلى البصيرة أكثر من حاجته إلى مزيد من المعلومات.
🔹وهنا تظهر عظمة القرآن؛ فهو لا يريد من الإنسان أن يكون مخزنًا للمعلومات، بل يريد أن يكون إنسانًا مبصرًا.

📌القرآن:كتاب يصنع البصيرة
إن التدبر في القرآن لا ينبغي أن يكون بحثًا عن المعلومة فقط، وإنما بحثًا عن النور الذي يغير زاوية النظر إلى الحياة.
#حين نقرأ قصة عاد وثمود وفرعون، لا نقرأ تاريخًا مضى فقط.
#وحين نقرأ آيات الموت والبعث، لا نقرأ أخبارًا غيبية فقط.
#وحين نقرأ آيات الأخلاق والعدل والظلم، لا نقرأ أوامر منفصلة عن الحياة.
🔹إن القرآن يريد أن يعيد تشكيل نظر الإنسان إلى نفسه وإلى الكون وإلى الناس وإلى المصير.
وهذا هو معنى كونه:
{بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً}»
فهو يفتح العين الداخلية على الحق، ثم يقودها إلى الهدى والرحمة.

📌ختاماً
بعد أن تأملنا في الحلقة الأولى عمى الأبصار وعمى القلوب، وتأملنا في هذه الحلقة معنى البصيرة والبصائر، نستطيع أن نفهم جانبًا من دقة التعبير القرآني في بناء منظومة الإدراك.
🔹نظرٌ يتدبر،
🔹وسماعٌ يتفكر،
🔹وقلبٌ يفقه،
🔹وعقلٌ يعقل،
🔹وعينٌ تُبصر،
🔹ثم بصيرةٌ تهدي إلى الطريق.

وإذا كان العمى الحقيقي أن يعمى القلب عن الحق، فإن أعظم نعمة بعد الإيمان هي أن يهب الله للإنسان قلبًا مبصرًا.
وخير ما نستمد منه هذه البصيرة كتاب الله؛{ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين}
🔹فطوبى لمن قرأ القرآن بعين،
🔹وتدبره بعقل،
🔹واستقبله بقلب،
🔹ثم خرج منه أبصرَ بالحق، وأهدى في الطريق، وأنفع للناس.
#هذاوالله أعلم
⏹️انتهى البحث⏯️