كل شيء يبدأ بواحد..!
مجيد الكفائي ||

كل شيء يبدأ بواحد
فالواحد هو بداية العدد ومنه يبدأ التتابع والتكاثر .
وهذه القاعدة لا تنطبق على الأرقام وحدها فكثير من الظواهر الكبيرة تبدأ بفرد واحد أو فكرة واحدة ثم تكبر شيئاً فشيئاً حتى يصبح من الصعب إيقافها .
وهنا تكمن خطورة الواحد .
العصابة مثلاً لا تولد عصابة كاملة
ولكنها تبدأ بشخص يحمل فكرة الثراء غير المشروع ثم يعرضها على قريب أو صديق فيصبحان اثنين ثم ينضم ثالث ورابع حتى تتحول الفكرة إلى شبكة .
والفساد كذلك قد يبدأ بفاسد واحد يستغل موقعه ثم يجد من يحميه ومن يسكت عنه ومن ينتفع من فساده فيتحول الفعل الفردي إلى منظومة .
وهذا لا يتوقف عند المال أو السلطة .
فقد يبدأ الخراب في حياة الإنسان بواحد أيضاً صديق سيئ أو منافق أو صاحب مصلحة قد يغيّر حياة كاملة .
وكذلك في المجتمع قد يكون فاسد واحد كافياً لإلحاق الأذى بآخرين خصوصاً عندما تصبح محاولات كشف الفساد سبباً للتهديد أو التشويه أو تلفيق التهم .
لكن الخطر الأكبر يبدأ عندما تنتقل عدوى الواحد من الأشخاص إلى المجتمع .
وهذا ما يجعل المشهد العراقي أكثر إثارة للقلق .
فالمشكلة ليست في الفساد والواسطة والمحسوبية بوصفها مخالفات فردية فحسب بل في احتمال أن تتحول مع تكرارها إلى رسالة يتلقاها جيل كامل .
أن الطريق إلى النجاح لا يمر دائماً بالكفاءة والنزاهة بل قد يمر بالنفوذ والقرابة والعلاقات .
فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل بكرامة يرى من هم أقل كفاءة يتقدمون عليه ويرى أقارب بعض المسؤولين يصلون إلى مواقع مهمة بينما يقف هو في الشارع مطالباً بتعيين أو عقد .
والفلاح الذي ينتج ويسلّم محصوله للدولة يجد نفسه يطالب بمستحقاته والعائلة قد يخرج بعض افرادها في مظاهرة من أجل الكهرباء والماء والتعليم والتعيين .
وهذه الحقوق يفترض أن تكون متاحة له من دون احتجاج أو استجداء .
ومع تكرار هذه المشاهد لا يبقى الضرر في الوظيفة أو الخدمة أو المال بل يصل إلى ما هو أخطر الثقة .
فحين يرى شاب أن النزاهة لا تمنحه فرصة والكفاءة لا تضمن له مكاناً والقانون لا يبدو متساوياً أمام الجميع قد يبدأ الواحد الآخر بالظهور :
واحد يفقد ثقته بالدولة ثم واحد يبرر الواسطة وآخر يتسامح مع الفساد وثالث يرى أن تقليد الفاسدين هو الطريق الأسهل للنجاح .
وهنا تبدأ الحلقة الأخطر .
فالواحد يجر الثاني والثاني يفتح الطريق للثالث وما كان استثناءً يصبح ممارسة وما كان جريمة مستنكرة يصبح أمراً مألوفاً حتى يتحول الفساد من سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية.
لذلك فإن أخطر ما في “الواحد “
ليس أنه واحد وإنما أنه قابل للتكاثر .
وقد يبدأ فساد مؤسسة بفاسد واحد وانهيار الثقة بمسؤول واحد وتجاوز القانون بمتنفذ واحد .
لكن إذا وجد هذا الواحد من يحميه ويقلده ويبرر له فلن يبقى واحداً لفترة طويلة
المشكلة ليست أن لدينا فاسداً واحداً المشكلة أن المجتمع قد يتعلم منه .
وعندما يصبح الفساد درساً يتعلمه الأبناء والواسطة طريقاً يقتدي به الشباب والخيانة وسيلة للنجاة والكذب مهارة للعبور فلن يكون الخراب في مؤسسات الدولة وحدها بل في الإنسان نفسه.
عندها لن نسأل: من بدأ الخراب؟ بل سنكتشف أننا جميعاً أصبحنا جزءاً منه .
فكل خراب كبير كان في يوم من الأيام
واحداً فقط .




