الاثنين - 21 سبتمبر 2026

جدلية القوة والمصالح: قراءة في وعي الآخر وعقدة الارتهان..!

منذ 5 ساعات
الاثنين - 21 سبتمبر 2026

كندي الزهيري ||

 

 

 

تتحكم في العلاقات الدولية معادلات بالغة التعقيد، تتداخل فيها المصالح الإقتصادية المباشرة مع التوجهات السياسية للدول الكبرى. وفي القراءة الشعبية والتاريخية لطبيعة التمدد الأمريكي، غالباً ما يُنظر إلى سلوك القوة العظمى على أنه اندفاع حتمي لتأمين السيطرة والموارد، وهو سلوك يراه الكثير شبيهاً بالإصرار على امتلاك كل شيء أو المخاطرة بتقويض الإستقرار.

أمام هذا الواقع، تتباين الرؤى حول كيفية التعامل مع هذه القوة؛ بين منطق الانكفاء لتجنب الصدام، أو ديبلوماسية المسايسة واحتواء الأزمات، أو خيار المواجهة والندية الذي يسعى لفرض توازن جديد، وهذا ما تقوم فيه إيران حاليًا عكس الدول العربية .

لكن السؤال المحوري الذي يواجه الشعوب المتضررة من السياسات الخارجية الأمريكية ، يرتبط بمدى وعي المجتمع الأمريكي الداخلي وتفاعله مع هذه الملفات.

تشير الدراسات الإجتماعية والسياسية إلى أن الناخب أو المواطن الغربي والأمريكي بصفة عامة، يضع “الاقتصاد المعيشي” في مقدمة أولوياته.

و إن الإهتمام اليومي بأسعار الوقود، والتضخم، والرفاهية الداخلية يفوق في كثير من الأحيان المتابعة الدقيقة لنتائج “السياسات الخارجية” لحكومته.

هذا السلوك ليس بالضرورة نابعاً من رغبة في إلحاق الضرر بالآخرين، بل هو نتاج (لثقافة استهلاكية ونظام سياسي)، يربط إستقرار السلطة بمدى قدرتها على تأمين الاحتياجات اليومية لمواطنيها بسعر مناسب، هذا هو المعلن …

أما فيما يتعلق بالنخب الأمريكية—سواء كانت نخبًا فكرية، أو أكاديمية، أو إعلامية—فإن قدرتها على التأثير أو كبح جماح التوجهات الحكومية تظل محكومة بموازين القوى الداخلية، ومصالح الشركات الكبرى ومجموعات الضغط.

ورغم وجود أصوات نقدية وحركات مناهضة للحروب والتدخلات العسكرية، إلا أن تحرك هذه النخب أو الشارع الأمريكي بشكل واسع وضغطه على صناع القرار غالباً ما يرتبط باللحظة التي تبدأ فيها ” التكاليف المباشرة للسياسات الخارجية بالانعكاس سلباً على الداخل الأمريكي” ، سواء كان ذلك عبر خسائر بشرية في صفوف الجنود أو أزمات إقتصادية حادة تمس جيوب المستهلكين كارتفاع حاد في أسعار الطاقة.

هذا الواقع يفرض على دول العالم، ولا سيما الشعوب العربية والإسلامية، مراجعة شاملة لتموضعها في النظام الدولي. إن الخروج من حالة التبعية أو الشعور بالارتهان للقوى الخارجية، لا يتحقق بتمني تغير الوعي لدى المجتمعات الأخرى، بل يبدأ من الداخل، يكمن الحل في بناء عناصر القوة الذاتية:

تحقيق الاستقلال الإقتصادي، وتعزيز التضامن الإقليمي، واستثمار الموارد الحيوية كأوراق ضغط ديبلوماسية واقتصادية فاعلة، بدلاً من أن تكون مجرد أهداف سهلة للاستقطاب الدولي. وإن الإنتقال من موقع التأثر السلبي بالأحداث ، إلى موقع الشراكة والندية يتطلب وعياً جمعياً حقيقياً، يرفض الانكفاء ويستبدل خطابات اللوم ، ببرامج عمل واقعية وتنموية تُعيد صياغة العلاقات مع العالم على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المشترك.

وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل حكومات ترى أن بقاءها مرتبط ببرميل النفط الذي ينتهي في محطات الوقود الأمريكية، بل يتحقق على يد نخب واعية تؤمن بالعمل على تنمية المواطن العربي والإسلامي، وتدرك أن الثروات الوطنية ملكٌ للشعب، وأن وظيفتها الحقيقية هي الاستثمار في الإنسان، وتطوير قدراته، وبناء مؤسسات الدولة، وتعزيز قوتها واستقلالها.