ضريبة العقل والمنطق.. عندما تصبح الدبلوماسية الإيرانية عبئًا على الحسابات الأمريكية..!
🖋️ قاسم سلمان العبودي ||

لطالما تعاملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع مفاهيم العقل والمنطق من منطلق الإحساس بالمسؤولية، ليس تجاه شعبها فحسب، وإنما تجاه أمن المنطقة وتوازناتها ومستقبلها. غير أن المشكلة، في بعض القراءات السياسية، لا تكمن في غياب منطق التفاوض، بل في أن ظهور إيران بمظهر الطرف الذي يختار الحوار قد يتعارض مع سردية سياسية أمريكية تقوم على تقديمها بوصفها مصدرًا دائمًا للتوتر والتهديد.
ومن هنا يمكن فهم بعض التعقيدات التي رافقت المسار التفاوضي بين طهران وواشنطن؛ فبعد قبول إيران بمبدأ الجلوس إلى طاولة التفاوض، برزت مطالب أمريكية إضافية تتصل بالبرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني. الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤل جوهري: هل المطلوب الوصول إلى اتفاق ينهي الخلافات، أم توسيع دائرة المطالب بحيث يصبح التفاوض نفسه أداة للضغط على القدرات الإيرانية؟
إن الذهاب إلى طاولة الحوار منح طهران فرصة لإلقاء حجتها أمام المجتمع الدولي، وأظهر استعدادها للتعامل مع الملفات الخلافية عبر المسار السياسي والدبلوماسي. وفي المقابل، فإن استمرار الضغط ورفع سقف المطالب يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب بين منطق التفاوض ومنطق فرض الشروط.
صراع على شكل النظام الدولي
لا يمكن قراءة المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها وموقعها في الشرق الأوسط، في وقت تتنامى فيه أدوار قوى دولية وإقليمية متعددة، الأمر الذي يجعل أي صعود لقوة إقليمية مؤثرة جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الكبرى.
ومن هذا المنظور، تبدو إيران بالنسبة إلى واشنطن أكثر من مجرد ملف نووي أو صاروخي؛ فهي دولة ذات موقع جغرافي حساس، وثقل إقليمي، وقدرات عسكرية وصاروخية، وعلاقات ممتدة مع عدد من القوى والحركات في المنطقة.
ولذلك فإن الخلاف لا يدور فقط حول تفاصيل تقنية يمكن وضعها على طاولة المفاوضات، بل يتصل أيضًا بسؤال أكبر: من يمتلك القدرة على التأثير في معادلات الشرق الأوسط، ومن يحدد قواعد الاشتباك والأمن الإقليمي؟
الباليستي.. عنوان آخر لمعركة الردع
إن إدخال القدرات الصاروخية الإيرانية في صلب التفاوض يحمل أهمية تتجاوز الجانب العسكري المباشر. فالصواريخ الباليستية تمثل، من وجهة النظر الإيرانية، جزءًا من منظومة الردع والدفاع في بيئة إقليمية شديدة التوتر.
وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها ينظرون إلى هذه القدرات باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في ميزان القوى الإقليمي.
وهنا تكمن العقدة الأساسية: هل يمكن مطالبة طرف بالتفاوض على قدراته الدفاعية في الوقت الذي تبقى فيه المنطقة مفتوحة على احتمالات التصعيد؟ وهل يمكن بناء أمن مستقر من خلال إضعاف قدرة طرف واحد على الردع، أم أن الاستقرار يحتاج إلى معالجة أوسع لمصادر التوتر في المنطقة؟
بين دبلوماسية النفس الطويل ومنطق الضغط
في المقابل، تبدو المقاربة الإيرانية في إدارة مثل هذه الملفات قائمة على النفس الطويل، وعدم تقديم جميع أوراقها دفعة واحدة، والاستفادة من الوقت والظروف الدولية والإقليمية في إعادة ترتيب أوراق التفاوض.
أما الإدارة الأمريكية، فقد اعتادت استخدام مزيج من العقوبات والضغط السياسي والعسكري إلى جانب الدبلوماسية، الأمر الذي يجعل أي تفاوض بين الطرفين محكومًا منذ البداية بصراع على أدوات القوة بقدر ما هو تفاوض على الملفات نفسها.
ولهذا فإن انسداد المسار الدبلوماسي لا يعني بالضرورة نهاية التفاوض، كما أن التصعيد لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحرب. فكثيرًا ما تكون السياسة الدولية عبارة عن انتقال مستمر بين الضغط والتفاوض، وبين التهديد والوساطة، حتى تنضج الظروف التي تسمح بالعودة إلى الطاولة.
الضريبة التي يدفعها العقل
في النهاية، قد تكون «ضريبة العقل والمنطق» في السياسة الدولية باهظة عندما لا يقابل الحوار بحوار مماثل، وعندما يتحول التفاوض من وسيلة للوصول إلى تفاهمات إلى ساحة لتوسيع المطالب والضغوط.
لكن السياسة لا تُدار دائمًا بالانفعال، ولا تُحسم بالضربة الأولى. فالدول التي تمتلك أوراق قوة تستطيع، في كثير من الأحيان، أن تجعل من الصبر جزءًا من استراتيجيتها .




