السبت - 19 سبتمبر 2026

احتلال بلا جنود: كيف تسلل العالم الخارجي ليحكم البنية الرقمية للعراق؟!

منذ ساعة واحدة
السبت - 19 سبتمبر 2026

رعد صباح زنكنة ||

 

 

 

في القرن الحادي والعشرين ظهر هناك سيادة غير الحدود والجغرافيا، هي سيادة أكثر صمتاً تتشكل خلف الشاشات في الخوادم ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات العابرة للحدود، إنها السيادة الرقمية التي باتت جزءاً أساسياً من قوة الدولة وقدرتها على حماية أمنها واقتصادها واستقلال قرارها.

وهنا ينبغي للعراق أن يطرح على نفسه سؤالاً صريحاً: هل نملك فعلا مفاتيحنا الرقمية؟

السؤال لا يتعلق بوزارة الاتصالات وحدها ،بل بالأمن القومي والاقتصاد الوطني واستمرارية عمل مؤسسات الدولة في أوقات الأزمات، فالعراق يعتمد بدرجات متفاوتة على تقنيات ومعدات وبرمجيات وخدمات تأتي من الخارج، وهذا بحد ذاته ليس عيباً، فلا توجد دولة حديثة تستطيع إنتاج كل ما تحتاجه محلياً، المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد الخارجي إلى تبعية حرجة لا تملك الدولة أمامها بديلاً حقيقياً.

الهاتف الذي يحمله المواطن وشبكات الاتصالات التي تربطه بالعالم والخوادم التي تحفظ البيانات والأنظمة الرقمية التي تدير المصارف والمؤسسات والخدمات الحكومية، كلها تشكل منظومة واحدة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس هل التكنولوجيا الأجنبية جيدة أم سيئة؟ بل ماذا يحدث إذا تعطل مورد تقني أساسي؟

ماذا لو تغيرت الظروف السياسية الدولية؟ وماذا لو أصبح الوصول إلى تقنية أو خدمة حيوية مشروطاً بقرار يتخذ خارج الحدود؟

لقد أدركت القوى الكبرى أن التكنولوجيا لم تعد سوقاً تجارية فقط، بل أصبحت عنصراً من عناصر القوة الوطنية، ولذلك تتعامل دول كالصين والولايات المتحدة وغيرها من الدول مع الرقائق والبنية الرقمية والبيانات وسلاسل الإمداد التقنية باعتبارها قضايا مرتبطة بالأمن القومي.

أما العراق، فما زال التحول الرقمي يختزل أحياناً في إطلاق منصة إلكترونية أو تطبيق حكومي جديد، لكن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني شراء التكنولوجيا فقط، بل امتلاك القدرة على إدارتها وفحصها واستبدالها عند الحاجة.

العراق لا يحتاج إلى تصنيع كل شيء محلياً ولا إلى إعادة اختراع الإنترنت. لكنه يحتاج إلى تحديد القطاعات الرقمية الحيوية التي لا يجوز أن تكون رهينة لمورد واحد، ومعرفة أين تخزن البيانات الحساسة ومن يمتلك صلاحيات إدارتها، ومدى قدرة الدولة على اختبار الأنظمة وما هي البدائل المتاحة في حالات الطوارئ.

كما أن السيادة الرقمية لا تعني الاكتفاء الذاتي الكامل، بل تعني امتلاك المرونة والبدائل والقدرة على اتخاذ القرار المستقل. فالمشكلة ليست في أن تستخدم الدولة تكنولوجيا أجنبية وإنما في أن تصبح غير قادرة على الاستغناء عنها.

ولهذا يحتاج العراق إلى استراتيجية وطنية واضحة تقوم على الاستثمار في الكفاءات العراقية وتطوير مراكز بيانات وطنية، وحماية البيانات بقوة القانون، ودعم صناعة البرمجيات المحلية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتنويع الموردين، ومنع الارتهان لمصدر واحد في القطاعات الحيوية.

والأخطر أن التبعية الرقمية لا تظهر فجأة بل تتراكم تدريجياً عبر العقود والبرمجيات والتراخيص والتحديثات والخدمات السحابية، ومع مرور الوقت قد تصبح كلفة الانتقال إلى بديل آخر مرتفعة، ليس مالياً فقط، بل تقنياً ومؤسسياً أيضاً. لذلك يجب أن تتضمن العقود الحكومية منذ البداية شروطاً واضحة للملكية والسيطرة والوصول إلى البيانات، وإمكانية نقلها إلى أنظمة أخرى، وحق الدولة في التدقيق الأمني المستقل، وضمان استمرار الخدمة عند حدوث نزاع أو أزمة. كما ينبغي إنشاء اختبارات دورية للجاهزية الرقمية، تحاكي انقطاع مورد أو شبكة أو مركز بيانات، لمعرفة قدرة المؤسسات على الاستمرار. فالأمن الحقيقي لا يقاس بما يعمل في الظروف الطبيعية، بل بما يبقى واقفاً عندما تتعرض المنظومة للضغط.

ومن دون هذه الاختبارات ستبقى السيادة الرقمية شعارا جذابا، بينما تظل مفاتيح التشغيل الفعلية موزعة بين جهات وموردين خارج الدولة فعلياً.

لكن التحدي الأكبر سيبقى في التنفيذ. فالعراق لا يعاني دائماً من نقص الخطط، بقدر ما يعاني من الفجوة بين ما يكتب على الورق وما يتحول إلى قدرة حقيقية على الأرض.

وفي النهاية يبقى السؤال الأكثر قسوة: إذا انقطعت غداً تقنية أو خدمة رقمية حيوية يعتمد عليها العراق من الخارج فما الذي سيستمر؟ وما الذي سيتوقف؟ وكم يستغرق تشغيل البدائل؟

الإجابة عن هذه الأسئلة ستكشف مستوى السيادة الرقمية الحقيقي، فالعراق قد يمتلك أرضه وحدوده وثرواته لكن في عصر الشبكات، فإن الدولة التي لا تملك مفاتيح بنيتها الرقمية لا تملك بالضرورة كامل مفاتيح قرارها ومصيرها.