السبت - 19 سبتمبر 2026

العراقيون والاخبار.. الشائعات.. والرأي العام..!

منذ ساعتين
السبت - 19 سبتمبر 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

العراقيون قبل غيرهم يعلمون جيدا بأن ما مرّ على العراق والعراقيين على مدى السنوات السابقه وتحديدا بعد تسلم حزب البعث الظالم لمقاليد الحكم ولا سيما بعد تسلم الطاغية المقبور صدام الحكم في عراق في عام 1979 حيث بات يعيش اكثر العراقيين نوع من الازدواجيه وهذه مسأله طبيعية نتيجة للضغوط والممارسات القذرة الممنهجة والتي كان تمارسها وسائل الاعلام والاجهزة الامنية والقمعية وباشراف مباشر من الطاغيه من اجل مسخ ومسح الشخصية العراقية ومحاربة ومطاردة وتصفية النخب المثقفة من السياسيين واعلاميين واصحاب الرأي ،

لذلك نجد بان العراق من الدول التي تحتل المرتبة الاولى في عدد المهاجرين والذين اضطروا ان يتركوا العراق نتيجه للممارسات التعسفية للنظام السابق فضلا عن عشرات السجون المكتظه بمن يختلفون في ارائهم سياسيا وثقافيا واعلاميا مع الطاغوت ودولته الطاغوتية، ولانه النظام وحتى بعد سقوط النظام هنالك تعتيم على الكثير من الامور من قبل الجهات المتنفذه لذلك نجد بان الشائعات في العراق لها تواجد وحضور مميز واستقبال جماهيري واسع في الشارع العراقي،

لان الشائعة تحتاج الى غموض وتحتاج الى أهمية لذلك فان العراق والشخصية العراقيه في غالبها ارض خصبه لمثل هذه الشائعات وبعد سقوط النظام لم تتغير الامور كثيرا حيث تفاجأ العراقييون وانا منهم بان من تسلموا الحكم كنا نتوقعهم منقذين ومخلصين لكن تفاجئنا بنسبة الفساد ونسبة السرقات والتي لا يتصورها العقل ، وهنالك من يسرق باسم القومية وهنالك من يسرق باسم المذهب وهنالك من يسرق باسم الدين وهنالك وهنا الطابه الكبرى من يسرق باسم الانسانية وكلها يجب على المواطن العراقي ان يدفع ثمنه.

تتحول المعلومات والجرائم والأفعال الخيرة في الفضاء العام العراقي من مجرد حقائق مجردة إلى مادة للاستقطاب الرقمي والجدل الجماهيري، مما يعكس تحولاً عميقاً في سلوك الرأي العام وآليات صناعة الوعي الاجتماعي والسياسي.
تتفاعل السيولة الرقمية في العصر الحالي مع الواقع العراقي عبر عدة أبعاد رئيسية:

1 – ظاهرة “تسليع الفضيلة” والشو الإعلامي: تحول الفعل الخيري أو الإنساني من قيمة أخلاقية مجردة إلى محتوى رقمي يُقاس بلغة الأرقام (الفاعلية، المشاهدات، والانتشار). يفرض هذا التحول تساؤلات جادة حول الحدود الفاصلة بين التكافل الاجتماعي والتوظيف السياسي أو الإعلامي للعمل الخيري.

2 – المعلومة كأداة للصراع وليس للمعرفة: لم تعد المعلومة تُستهلك في الفضاء الرقمي العراقي بهدف التثقيف أو كشف الحقيقة، بل يتم اجتزاؤها وإعادة تأطيرها ضمن استراتيجيات شحن العواطف والتجييش الفكري. يتحول الرأي العام في هذه الحالة من موقف عقلاني نقدي إلى “موقف انفعالي” تحركه الخوارزميات وصناع المحتوى.

3 – البيئة الرقمية وهشاشة الفلترة: يسهم غياب الوعي الرقمي والأطر التنظيمية المستقلة في تحويل الفضاء الإلكتروني العراقي إلى بيئة خصبة للشائعات والتزييف وزرع حالة من “عدم الثقة العادمة” بين المواطن والمؤسسة.

4 – من العقلانية إلى الاستقطاب: تؤدي هيمنة الانفعال على الخطاب العام إلى تقزيم القضايا الوطنية والتعليمية والتنموية الجوهرية لحساب قضايا هامشية، مما يعزز حالة التجزؤ الاجتماعي والتشويش الإدراكي للجمهور.

يتطلب التعامل مع هذا الواقع بالانتقال من الردود الانفعالية إلى بناء وعي مجتمعي وإعلامي نقديّ يرتكز على تفكيك الخطاب الرقمي، وإبعاد الفضيلة والقيم الإنسانية عن الاستثمار الإعلامي والسياسي الضيق، وتحديث آليات صناعة الرأي العام لتعتمد المعرفة العميقة والتحليل الاستراتيجي بدلاً من الإثارة اللحظية.
تحول الفضاء الرقمي العراقي إلى ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج المفاهيم والتأثير في السلوك الجمعي، حيث يتشكل الرأي العام تحت تأثير آليات ضاغطة تتجاوز مجرد التفاعل العادي مع الخبر.

1 – ظاهرة “الشغف اللحظي” والاحتراق السريع: تمر القضايا والمبادرات بإنتاج كثيف وسريع للتفاعل الجماهيري (تنديد، تعاطف، أو تنميط)، ثم تختفي كلياً خلال أيام معدودة دون تحقيق أثر تنموي أو قانوني مستدام، مما يكرس حالة من “الإنهاك الإدراكي” لدى المجتمع.

2 – إعادة تشكيل الرمزية الاجتماعية: أدى تحول المعلومة إلى تريند إلى صعود نماذج غير تقلية لتصدر المشهد الفكري والمجتمعي، حيث أصبحت الخوارزميات تمنح الأولوية للصدمة والإثارة على حساب الرصانة والبحث التحليلي العميق.

3 – استراتيجيات “صناعة الجهل المركب”: تُستغل كثافة التدفق المعلوماتي لإغراق الرأي العام بالتفاصيل الثانوية والتأويلات المتضاربة، مما يصعّب على المواطن التمييز بين الحقائق الموثقة وحملات التضليل الممنهجة.

4 – تأثير الفجوة الثقافية والجيلية: يعكس طريقة التفاعل مع الأخبار صراعاً أفقياً بين أجيال تعتمد على وسائل الإعلام التقليدية الضابطة، وأجيال جديدة تستقي وعيها بالكامل من بيئات رقمية مفتوحة ومتحيزة.

5 – تسييس المشاعر العامة: تتجه القوى التنظيمية والجهات الفاعلة إلى استثمار المشاعر الإنسانية للجمهور (كالتضامن مع الحالات الإنسانية أو الغضب من الفساد) لتحويلها إلى رصيد سياسي أو أداة للضغط والتفاوض.

يتطلب تفكيك هذه الظاهرة الانتقال من مجرد القراءة السطحية للتفاعلات الرقمية إلى تحليل بنوي للخطاب الجماهيري، وتفعيل دور المؤسسات الأكاديمية والبحثية لتقديم قراءات موضوعية تحمي الوعي الجمعي من الاستقطاب الحاد.
يتشكل تعاطي المواطن العراقي مع مفهوم الخير والفعل الإنساني عبر مزيج معقد ينطلق من الموروث التكافلي والوازع الأخلاقي الأصيل، ليصطدم بضغوط الواقع الرقمي وتعقيدات البيئة السياسية
والاجتماعية.
تتضح أبعاد هذه العلاقة وآلية تفاعل الفرد العراقي مع مبادرات الخير عبر عدة مفاهيم أساسية:

1 – التكافل المباشر مقابل الاستثمار الرقمي: يحتفظ المواطن العراقي بنزعة عفوية متجذرة نحو الإغاثة الفورية والتضامن الاجتماعي عند الأزمات، إلا أن ورود هذه الأفعال إلى الفضاء الرقمي يحولها غالباً من قيمة إنسانية مجردة إلى مادة للمشاهدات، مما يضع الفرد في صراع بين إنسانيته الفطرية وشكوكه حول أهداف التصوير والانتشار.

2 – تأثير “أزمة الثقة” المؤسسية: أدى تراجع الثقة بالمؤسسات إلى تفضيل المواطن العراقي للقنوات غير الرسمية (كالشبكات العشائرية، العلاقات المناطقية، أو المبادرات الفردية المستقلة) لممارسة الفعل الخيري، باعتبارها أكثر أماناً وضماناً للوصول المباشر للمستحقين بعيداً عن التوظيف السياسي أو الشبهات الإدارية.

3 – الازدواجية الإدراكية بين التعاطف والنقد: يتعامل الشارع العراقي مع المشاهد الإنسانية المعروضة بمركّب من التعاطف الوجداني السريع والتوجس النقدي؛ ففي حين تتحرك العاطفة الجمعية بسرعة لإغاثة الحالات الفردية، ينشط بالتوازي تحليل نقدِيّ يشكك في الدوافع الكامنة خلف تسليط الضوء على حالات دون غيرها.

4 – الخير كأداة للمقاومة الثقافية: يُعبر ممارسة الخير والتكافل لدى قطاعات واسعة من العراقيين عن شكل من أشكال “المقاومة الهادئة” للتهميش والظروف الاقتصادية القاسية، حيث يُعاد التذكير بالهوية الأخلاقية والتضامنية للمجتمع في مواجهة خطابات التجزئة والاستقطاب.

5 – الخوف من “تسييس الفضيلة”: يمتلك الجمهور العراقي حساسية عالية تجاه محاولات تجيير العمل الإنساني لصالح أجندات انتخابية أو فئوية، مما يجعل الفعل الخيري مساحة محفوفة بالتحفظ ومحل اختبار دائم للنيات والمسارات.
إن ارتقاء سلوك المواطن في التعاطي مع الفعل الخيري يتطلب الانتقال من التعاطف الانفعالي اللحظي إلى تأسيس ثقافة مأسسة العطاء؛ عبر دعم المبادرات التنموية المستدامة بدلاً من الحلول الترقيعية، وحماية الفضيلة من الاستهلاك الإعلامي بما يحفظ كرّامة الإنسان وعمق المعنى الأخلاقي للتكافل.
تشكل الشائعة في العراق ظاهرة مركبة تتجاوز حدود التضليل الإعلامي العابر لتصبح أداة لإدارة الصراع التأثيري، وإعادة تشكيل الهندسة الإدراكية للمجتمع، واختبار مدى تماسك الجبهة الداخلية في مواجهة الأزمات.

يتحدد سلوك المواطن العراقي وآليات تفاعله مع الشائعات عبر عدة محاور استراتيجية وبنيوية:

1 – البيئة الخصبة وهشاشة الثقة المؤسسية: تنمو الشائعة وتتسع في المساحات التي يغيب عنها التصريح الرسمي الموثوق والتواصل الشفاف. أدى تراكم الفجوات بين الشارع والمؤسسات الخدمية والأمنية إلى خلق حالة من “التوجس التلقائي”، حيث يميل الفرد إلى تصدق سيناريوهات الخطر أو التآمر باعتبارها التفسير الأقرب للواقع، مما يمنح الشائعة قوة نفاذ سريعة.

2 – السيولة الرقمية و”إعادة التدوير العاطفي”: أحدثت منصات التواصل الاجتماعي تحولاً جذرياً في سرعة انتقال الشائعة؛ إذ لم تعد تنتقل عبر الشفاهة التقليدية، بل عبر خوارزميات تعتمد على الشحن العاطفي والإثارة. يُسهم المواطن العراقي – دون قصد أحياناً – في إعادة نشر المعلومات غير المفحوصة بدافع التنبيه أو الخوف، مما يكرس حالة من الإنهاك النفسي والتشتت الجمعي.

3 – الحرب الإدراكية والتوجيه الممنهج: لا تُبنى معظم الشائعات المتداولة بشكل عشوائي، بل تخضع لآليات صناعة ناعمة تستهدف إرباك صناعة القرار الشعبي، وزرع الإحباط، وتقويض مفاهيم الاستقرار. تصبح المعلومة المغلوطة في هذا السياق سلعاً تُستخدم لتعميق الاستقطاب الاجتماعي، واستهداف الرموز، وتوجيه بوصلة الرأي العام نحو قضايا هامشية
.
4 – الانتقال من رد الفعل إلى الحصانة الفكرية: يتطلب الحد من خطورة الشائعة تجاوز أساليب التكذيب التقليدية والبيانات الصحفية المتأخرة، والانتقال نحو بناء “التفكير النقدي الرقمي” لدى الأفراد، إلى جانب تفعيل الإعلام الاستباقي الذي يردم الفراغ المعلوماتي قبل أن تستغله الجهات المضللة.

إن مواجهة التضليل في المشهد العراقي لا تقتصر على النفي الإعلامي اللحظي، بل تعتمد على تأطير استراتيجية شاملة للأمن السيبراني والإدراكي تضمن تعزيز الشفافية المؤسسية، وحماية الوعي المجتمعي من الاستغلال، وترسيخ ثقافة التثبت والتحليل العقلاني للخطاب الرقمي.