السبت - 19 سبتمبر 2026

قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿سورة البقرة: 268﴾..!

منذ 3 ساعات
السبت - 19 سبتمبر 2026

✍ السيد بلال وهبي ||

 

 

 

(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿سورة البقرة: 268﴾.

جاءت هذه الآية الكريمة في سياق آيات تحض على الإنفاق، وتعِدُ المنفقين أموالهم في سبيل الله بالتعويض لهم، بل ومضاعفة عطاء الله لهم، وتفرِّق بين من ينفق في سبيل الله مخلِصًا متقرِّبًا، وبين من يُرائي في إنفاقه، أو يمُنُّ به على الفقير ويؤذيه، وتفرِّق كذلك بين ينفِق من طيب ماله، ومن يختار الخبيث لينفق منه. ولذلك فإن فهم المراد من الآية يتوقف على فهم ذلك الصراع الذي ينشب في نفس الإنسان قبل وبعد عطائه وإنفاقه، هل يرى في الانفاق خسارة لا تُعوَّض، أم واجِبًا يُكرَه عليه، أم يراه ربحًا وتهذيبًا للنفس، وفعلًا أخلاقيًا ساميًا، وثوابًا عظيمًا، ورضوانا من الله تعالى.

مما لا شك فيه أنن الإنسان ليحب المال حُبّا جَمًا، ويراه مصدر أمان له، يوفِّر له حاجاته المختلفة، ويعينه على مواجهة تقلبات الحياة، ولذلك قد يبدو له أن الإنفاق ينقِص ماله، ويزيل تلك القدرة من يده، ويرى أن والاحتفاظ بالمال نوعًا من الاحتياط والحكمة.
والشيطان يستغل نقطة الضعف هذه في الإنسان فيعده بالفقر﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾. والشيطان ذكي وداهية، ولا ينحصر في الأبالسة من الجِنِّ بل يتمثَّل في كل طاغٍ متمرِّد ينهى عن الإنسان عن فعل الخير والمعروف، وقد يكون أبًا أو أُمًا أو زوجًا أو ولدًا أو صديقًا أو غير ذلك، هذا الشيطان ينهاه عن الإنفاق في سبيل الله.

ويقدم ذلك النهي في صورة نصيحة، حتى يرى إمساك يده عن الإنفاق مما آتاه الله حكمة، وتحوطًا للمستقبل، يقول له، بلسان الحال: احتفظ بما لديك، فالحياة طويلة، والظروف لا يُؤمَن جانبها، وقد تحتاج إلى المال غدًا، ومن يدري ماذا تخبئ لك الأيام؟

وهكذا يحوّل الشيطان احتمال الفقر إلى يقين، ويجعل المال الذي في يد الإنسان يبدو كأنه مصدر الأمان الوحيد، حتى يصبح العطاء في نظره تهديدًا لأمنه. وما يعزز منطق الشيطان هو طبيعة العلاقة بين الإنسان والمال، فالمال وسيلة من وسائل الحياة، لكنه قد يتحول في النفس -الهلوعة الجزوعة- إلى ضمان مطلق للحياة. وعندما يحدث ذلك، يصبح الإنسان أسيرًا لما يملك، ويقيس أمنه بكمية ما يكتنز، ويخاف من كل نقص ولو كان في سبيل الله.

وهنا يأتي وعد الله في الجهة المقابلة: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. فالآية الكريمة تضع أمام الإنسان وعدين متعارضين.

الشيطان يقول له: ستفقد مالك، ستخسره ولن يرجع إليك، أنت الذي تعبت في جنيه فلماذا تعطي منه لغيرك، فليرزقه الله كما رزقك. والله يقول: سيكون لك من الله مغفرة وفضل. الشيطان يحصر رؤيته في اللحظة الحاضرة. والله يفتح أمامه أفق الدنيا والآخرة.

فالإنفاق ينقص المال لحظة الإنفاق منه، لا شكَّ في ذلك، لكنه لا يعني أن ينقص رزق الإنسان، فالرزَّاق هو الله، والرزق أوسع من المال الذي يملكه. وقد وعده الله بالخُلف، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿سورة سبأ: 39﴾ وقد يكون هذا الخلف مالًا، وقد يكون تيسيرًا، أو بركة، أو دفعًا لضرر، أو حفظًا لما بقي، أو فتحًا لأبواب رزق لم تكن في الحسبان، فضلًا عما يدَّخِره الله للإنسان في الآخرة.

﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. وقد قدَّم المغفرة لأنها أعظم من المال، لأنها تتعلق بإصلاح علاقة الإنسان بربه ومصيره الأخروي. والفضل أوسع من الغنى، لأنه يشمل كل ما يتفضَّل الله به على عبده من رزق، وبركة، وتوفيق، وحفظ، وهداية، وثواب.

وهنا تتغير فلسفة الإنفاق كلها. فالإنفاق يحرِّر الإنسان من عبودية ما يملك، ففيه تهذيب للنفس، ولهذا قال تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا..﴿سورة التوبة: 103﴾، كما أن في الانفاق تحقق للعدل الإلهي في العطاء والرزق، لأن الله يسبب المنفق ليرزق المنفَقَ عليهم من طريقه.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان في علاقته بالمال أن يحتل المال قلبه، فيصبح المال بمثابة الروح التي بها يحيا، وإذا بلغ هذا الحد عاش فقيرًا ولو ملك أموالًا طائلة، ثم لا يكتفي بذلك، بل ينتقل إلى مرحلة أخرى، فيرتكب الفحشاء وكل ما اشتد قبحه وتجاوز الحد، ومنه البخل والشُحُّ، وسوء الظن برازقية الله، وقد يمنع حقًا واجبًا، أو يأكل مالًا بغير حق، أو يحتال على الناس، أو يظلم شريكًا، أو يستغل حاجة فقير، أو يدخل في معاملات محرمة، أو يجعل المال معيارًا لكل قيمة.

✍ السيد بلال وهبي
فجر يوم السبت الواقع في: 19/9/2026 الساعة (05:17)