الاثنين - 14 سبتمبر 2026
منذ ساعتين
الاثنين - 14 سبتمبر 2026

رياض الفرطوسي ||

 

 

 

تتجلى أزمة الوعي الراهنة في التحول الحاد من التفكير التكاملي الشامل(وهو النهج الفكري الذي يربط بين التاريخ، والأدب، والفلسفة، وعلم النفس لتفسير الأحداث بدلاً من النظر إليها من زاوية واحدة)إلى الانغماس في سطوح المقولات السياسية والشعارات المبتذلة، حيث تحول القارئ من باحث عن المعنى الإنساني والدلالات العميقة إلى مستهلك للانحيازات الإيديولوجية السريعة.

لم تعد القضية مجرد انصراف عن الكتاب، بل هي هروب منظّم من التفكير البنيوي المركّب الذي يوفر الأدب والعلوم الإنسانية أدواته الأساسية. لقد تحول “العقل الأدبي” الانفعالي الذي يكتفي بجماليات اللغة وعواطفها، و”العقل السياسي” التبسيطي إلى وجهين لعملة واحدة؛

كلاهما يمنح الفرد إحساساً زائفاً بالفهم دون أن يكلفه عناء البحث، ويسمح له بتفسير أعقد الظواهر العالمية وفق معايير محلية قاصرة تشبه ما وصفه جورج برنارد شو بالاعتقاد بأن حدود القبيلة هي حدود الطبيعة.

إن الفجوة التي تفصل مجتمعاتنا عن التجديد الحضاري تكمن في طبيعة القراءة ذاتها؛ فالسياسة والاقتصاد ليسا مجرد أرقام وتقارير صحفية، بل هما انعكاس لشبكة معقدة تضم الفلسفة الأخلاقية، وعلم النفس الجمعي، والسياق التاريخي والجمالي.

وكما أشار تزفيتان تودوروف (الفيلسوف والناقد الفرنسي البلغاري الأصل الذي حذر من تجريف الأدب من جوهره الإنساني) في اختزال الأعمال الأدبية إلى قواعد شكلية تفصم علاقتها بالحياة، يواجه الفكر العربي اليوم اغتيالاً مماثلاً عبر اختزال السياسة في صراعات السلطة اليومية وتجريدها من بعدها الثقافي. يخلق هذا الاختزال ذواتاً مأزومة تبحث عن الحلول الجاهزة، حيث أدى التجريف السياسي والمادي المتراكم، مدعوماً بفيض التسطيح المعاصر عبر منصات التواصل، إلى تحويل المعرفة من فعل مقاومة إلى ترف هامشي.

يظهر هذا التراجع بوضوح حين يستغرق الإنسان في المتطلبات الحيوية البدائية؛ كأن يصبح همّ الفرد الشاغل مقتصراً على تأمين المأكل والمشرب، وحسابات الراتب الشهرية، والانغماس في جولات التسوق لشراء الملابس والأجهزة الحديثة، بينما تتراجع المكتبة المنزلية إلى هامش الأولويات. هذا الاستغراق الغريزي يعطل فاعلية العقل ويحوله إلى كائن منفعل، تاركاً إياه يدور في مفرغة يظن معها أنه يتحرك بينما هو مثبت في مكانه.

تتجاوز القراءة كونها أداة للتسلية؛ إنها كما صيغت في أدبيات الفلسفة والفكر مسألة وجود ومصير. يتجلى ذلك في القوة الملهمة لأدب السجون، كما في رواية “الفراشة” لهنري شاريير، والتي تجسد كيف غدت الكلمة وسيلة للتمرد على القيود وعبور البحر نحو الحرية. وقد لخص عباس محمود العقاد هذا العمق بقوله إن حياة واحدة لا تكفيه، وبالقراءة يعيش حيوات متعددة، بينما أجاب فولتير حين سُئل عمن سيقود الجنس البشري قائلاً: “الذين يعرفون كيف يقرؤون”. إن الرهان الحقيقي للنهوض الحضاري يتطلب العودة إلى قراءة العالم كبنية متكاملة، حيث تمنح المعرفة الشاملة صاحبها القدرة على تفكيك الواقع والاستجابة للتعقيد البشري، ليتحول من مجرد متابع للحدث إلى صانع له.