التوثيق والذاكرة: جهاد القلم ضد تزييف التاريخ..!
د. عامر الطائي ||

إنَّ تدوين التاريخ وتوثيق وقائعه ليس مجرد ترف فكري أو تسلية للاخلاف، بل هو مسؤولية شرعية وأخلاقية جسيمة تقع على عاتق الأمة لحماية ذاكرتها الجمعية من التزييف والتحريف.
إن الغاية الأسمى من التوثيق اليوم هي تثبيت الحقائق كما هي، ناصعة جليّة، حتى لا تتلاعب بالأذهان أيدي العابثين، وحتى لا يأتي يومٌ يُقلب فيه الحق باطلاً والباطل حقاً، فيُمسخ فيه وجه الطاغية وشرذمته الفاشية.
لقد شهدت أمتنا عبر تاريخها الممتد محاولات متكررة لتلميع صور الحكام الظلمة وإلباسهم ثوب البطولات الزائفة، كما جرى في تزييف الحقائق التاريخية المتعلقة بالعديد من الحكام والعهود التي سادت فيها الأثرة والظلم مثل معاوية والرشيد وغيرهم من حكام بني أمية وبني العباس، حيث سخروا الأقلام واشتروا الذمم لرسم صور أمجاد وهمية تُخفي تحتها أطنانًا من الدماء والاضطهاد.
وإننا إذا فرطنا اليوم في تدوين جرائم حزب البعث وتوثيق قسوة صدام وما جره على البلاد والعباد من ويلات ومقابر جماعية وحروب عبثية، فإننا نفتح الباب على مصراعيه ليعاد سيناريو التزييف ذاته، فيتحول السفاك إلى “بطل قومي” في أذهان الأجيال القادمة التي لم تعش تلك المرارة.
إن القلم المؤرخ اليوم هو جبهة من جبهات الجهاد ضد الزور، والتاريخ المحفوظ بأمانة هو الحصن الذي يمنع المجرم من الهروب من ميزان العدالة الإلهية والتاريخية، كي تبقى الحقائق جليّة للأجيال: أن الظلم ظلمات، وأن الطغاة مهما تتملقهم أقلام السوء سيبقون في مزبلة التاريخ، بينما تبقى دماء الشهداء وآهات المظلومين هي الشاهد الحقيقي والوحيد على طهارة الحق وبشاعة الباطل.




