الأحد - 13 سبتمبر 2026

من قال إن لدى إيران عصا موسى؟!

منذ ساعتين
الأحد - 13 سبتمبر 2026

✍🏼 كيان الأسدي ||

 

 

 

من قال إن لدى إيران عصا موسى حتى يُنتظر منها أن تقلب موازين الحرب بكبسة زر، أو أن تنهي العدوان في لحظة، أو أن تفرض شروطها على عدو اختار الحرب وفرضها عليها وعلى المنطقة؟

من المهم جدًا أن نتعاطى مع أي عدوان يقع على أي جبهة من جبهات المقاومة ضمن سياقه الطبيعي والتاريخي والسياسي والعسكري، وألا نفصله عن نقطة البداية أو لحظة الشروع فيه. فالمشكلة التي يقع فيها بعض المحللين والمتابعين أنهم يتعاملون مع الأحداث بطريقة لحظوية، ينظرون إلى المشهد من زاوية ضيقة ومن لحظة محددة، ويصدرون أحكامهم بعيدًا عن الأسباب التي أنتجت الحدث، والتداعيات التي ستترتب عليه، والمآلات التي يمكن أن يصل إليها.

والحرب، بطبيعتها، ليست مشهدًا واحدًا، ولا معركة واحدة، ولا ضربة صاروخية تقابلها ضربة أخرى، وإنما هي مسار متكامل تتداخل فيه القوة العسكرية والسياسة والاقتصاد والنفسية الشعبية والقدرة على الصمود وإدارة الوقت واستنزاف الخصم.

لذلك، من الضروري أن نضع نقطة أساسية أمام أعيننا، وهي أن هذه الحرب فُرضت على إيران، ولم تكن إيران هي من اختارت توقيتها أو بادرت إلى إشعالها. لقد بدأت الجمهورية الإسلامية من موقع الدفاع، وموقع صد العدوان الأمريكي الإسرائيلي، وحماية سيادتها ومؤسساتها وشعبها، وهذا هو الحال نفسه بالنسبة إلى معظم جبهات المقاومة التي وجدت نفسها أمام عدوان يريد أن يفرض عليها الاستسلام أو يجرّدها من عناصر قوتها.

قد تستطيع إيران أن ترد على العدوان بقوة نيرانها، وأن تثبت قدرتها على إيلام العدو، وأن تصمد بشعبها ومؤسساتها، وأن تُفشل مشروع إسقاط نظامها أو إخضاعها للشروط الأمريكية والإسرائيلية، لكنها، في المقابل، لا تمتلك عصا سحرية تستطيع من خلالها أن تفرض إنهاء الحرب بكبسة زر، أو أن تطلق موجة من الصواريخ فتجبر العالم والعدو على تنفيذ ما تريد.

الحروب لا تُدار بهذه الطريقة، ولا تُقاس نتائجها بهذه السذاجة.

إيران تستطيع أن تستخدم أوراق قوتها، وأن تفتح مسارات الضغط، وأن ترفع كلفة استمرار الحرب على خصومها، ولعل ما يجري في مضيق هرمز يقدم مثالًا واضحًا على طبيعة إدارة أوراق القوة، فالقوة لا تعني بالضرورة استخدامها في كل لحظة، كما أن امتلاك الورقة لا يعني حرقها فورًا، بل قد تكون قيمتها الحقيقية في القدرة على الاحتفاظ بها واستخدامها في التوقيت الذي يخدم الهدف الاستراتيجي.

وهنا يقع البعض في خطأ آخر، حين يعيب على إيران التزامها بوقف إطلاق النار، بينما يقوم العدو بخرقه وعدم الالتزام به، وخصوصًا في الجبهة اللبنانية.

لكن هل المطلوب من إيران أن تتحول إلى نسخة من عدوها حتى تثبت قوتها؟

هل القوة تعني التخلي عن كل التزام، ونقض كل اتفاق، واستخدام كل الوسائل مهما كانت طبيعتها؟

هذا الأمر يذكرني بما كتبه سيد قطب عن الإمام علي عليه السلام ومعاوية، حين قال:

إن معاوية وزميله عمرو بن العاص لم يغلبا عليًا لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس، وأخبر منه بالتصرف النافع في الظرف المناسب، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل سلاح، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع.

وحين يركن معاوية وزميله إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم، لا يملك علي أن يتدلى إلى هذا الدرك الأسفل، فلا عجب أن ينجحا ويفشل، وإنه لفشل أشرف من كل نجاح.

إن الفرق بين المشروعين لا يكمن فقط في القدرة، وإنما في طبيعة الوسائل التي يعتمدها كل طرف. فالعدو الإسرائيلي والأمريكي لا يتردد في استخدام القوة والغدر والخداع والاغتيال والحصار وتجويع الشعوب والضغط على المدنيين، بل يجعل من كل شيء سلاحًا في معركته.

أما الطرف الذي يمتلك منظومة أخلاقية وعقائدية، فإنه لا يستطيع أن يتخلى عنها كلما اشتدت المعركة، لأن التخلي عن المبادئ من أجل تحقيق انتصار سريع قد يعني في النهاية خسارة المشروع نفسه.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية فشلت في هذه الحرب. بل إن مجرد فشل مشاريع إسقاطها وإخضاعها وكسر إرادتها يمثل بحد ذاته عنصرًا مهمًا في حسابات الصراع.

العدو قد يتفوق في بعض الجبهات دون غيرها، وقد يحقق تقدمًا ميدانيًا في مرحلة من مراحل الحرب، وخير مثال على ذلك ما يجري في جنوب لبنان من تقدم واحتلال وتفجير يقوم به الجيش الإسرائيلي.

هذه حقائق لا ينبغي إنكارها، لكن الاعتراف بها لا يعني القبول بالرواية التي يريد العدو فرضها، ولا يعني التسليم بأن المقاومة انتهت أو أنها أصيبت في مقتل.

هناك فرق كبير بين أن تتعرض المقاومة لضغط وخسائر وتحديات قاسية، وبين أن تكون قد انتهت.

العدو يدرك أهمية الحرب النفسية بقدر إدراكه أهمية الحرب العسكرية، ولذلك فهو لا يكتفي بالتقدم الميداني أو تنفيذ عمليات عسكرية، بل يسعى في الوقت نفسه إلى صناعة صورة ذهنية لدى الجمهور مفادها أن المقاومة انتهت، وأن إيران أصبحت عاجزة، وأن محور المقاومة انهار، وأن كل ما جرى خلال سنوات طويلة قد انتهى في بضعة أشهر من الحرب.

وهنا، بالضبط، تكمن خطورة ترديد رواية العدو من دون وعي.

فليس كل ما يروّج له الاحتلال حقيقة، وليس كل تراجع يعني نهاية، وليس كل خسارة تعني سقوط المشروع. فالتاريخ مليء بجيوش احتلت أراضي واسعة ثم خرجت منها، وحركات مقاومة تعرضت لأقسى الضربات لكنها عادت أكثر قدرة بعد أن أعادت قراءة تجربتها وأدواتها.

لذلك تقع مسؤولية كبيرة على الجمهور الواعي والبصير، جمهور المقاومة الذي يجب أن يتمسك بمشروعه، وأن يمتلك القدرة على التمييز بين النقد الواقعي وبين صناعة اليأس، وبين قراءة الأخطاء وبين الانخراط في الحرب النفسية التي يديرها العدو.

يقول سيد قطب في حديثه عن غلبة معاوية على الإمام علي عليه السلام، إن الأمر كان أكبر من مجرد رجلين، إذ كانت:
غلبة جيل على جيل، وعصر على عصر، واتجاه على اتجاه.
كان المد الروحي الإسلامي العالي قد بدأ ينحسر، وارتد الكثيرون من العرب إلى المنحدر الذي رفعهم منه الإسلام، بينما بقي علي في القمة، لا يتبع هذا الانحسار، ولا يرضى بأن يجرفه التيار.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمبدأ.

ليس المطلوب أن نتبع التيار لأنه الأقوى، ولا أن نغيّر قيمنا لأن الآخرين تخلوا عن قيمهم، ولا أن نقيس الحق والباطل فقط بنتيجة معركة ميدانية أو تقدم عسكري مؤقت.

ويقول سيد قطب: إننا لسنا في حاجة يومًا من الأيام إلى أن ندعو الناس إلى خطة معاوية، فهي جزء من طبائع الناس عامة، إنما نحن في حاجة لأن ندعوهم إلى خطة علي، فهي التي تحتاج إلى ارتفاع نفسي يجهد الكثيرين أن ينالوه.

وإذا احتاج جيل لأن يدعى إلى خطة معاوية ، فلن يكون هو الجيل الحاضر على وجة العموم. فروح “مكيافيلي” التي سيطرت على معاوية قبل مكيافيلي بقرون ، هي التي تسيطر على أهل هذا الجيل، وهم أخبر بها من أن يدعوهم أحد إليها

وهذا الكلام يبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فنحن نعيش في زمن أصبحت فيه النفعية السياسية هي الحاكمة على كثير من الاشخاص والجماعات، وأصبح المقياس لدى البعض هو من ينتصر الآن، ومن يملك القوة الأكبر، ومن يستطيع أن يفرض إرادته، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ والحقوق والكرامة.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه ليس: كيف نتحول إلى نسخة من خصومنا؟

بل: كيف ننتصر من دون أن نفقد أنفسنا؟

وكيف نمتلك القوة من دون أن نتحول إلى قوة مجردة من كل قيمة؟

وكيف نواجه عدوانًا واسعًا ومشروعًا يريد إخضاع المنطقة من دون أن نقع في وهم أن طرفًا واحدًا، مهما بلغت قوته، يستطيع أن يحل كل الأزمات أو ينهي كل الحروب أو يحمي كل الجبهات في لحظة واحدة؟

من قال إن لدى إيران عصا موسى؟

إيران دولة تخوض صراعًا معقدًا، وتمتلك نقاط قوة كما تواجه نقاط ضعف، ولديها أوراق تستطيع استخدامها كما أن لديها حسابات تفرض عليها تأجيل استخدام بعض الأوراق. وهي جزء من محور واسع يخوض مواجهة غير مسبوقة، وليس كيانًا خارقًا للطبيعة قادرًا على قلب كل الموازين في لحظة.

والواقعية لا تعني اليأس، كما أن الإيمان بالمشروع لا يعني إنكار الحقائق.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم هو أن ننتقل من المبالغة في تصوير القوة إلى المبالغة في تصوير الضعف. فكما أن من الخطأ الاعتقاد بأن المقاومة لا تُهزم ولا تخسر ولا تتراجع، فمن الخطأ أيضًا الاعتقاد بأن خسارة جولة تعني نهاية الحرب، أو أن تقدم العدو في جبهة يعني انتصاره في كل الصراع.

الحرب لا تزال مفتوحة، والصراع لم يُحسم، والجبهات لم تقل كلمتها الأخيرة.

وما تحتاجه هذه المرحلة ليس صناعة أوهام الانتصار، ولا نشر ثقافة الهزيمة، بل الوعي والواقعية والصبر والثبات، مع إدراك أن المشاريع الكبرى لا تُقاس بلحظة واحدة، وأن معارك التاريخ لا تُحسم دائمًا لمن يحقق تقدمًا في بداية الطريق.

فبين الوهم واليأس مساحة واسعة اسمها الواقعية، وبين الاستسلام والتهور مساحة اسمها الصمود الاستراتيجي، وبين الانتصار العسكري المجرد والانتصار الحقيقي مساحة تحفظ فيها الأمم مبادئها وكرامتها وقدرتها على الاستمرار.

وهذه، ربما، هي المعركة الأهم: أن نبقى واقعيين من دون أن نيأس، وأن نتمسك بمبادئنا من دون أن نعطل عقولنا، وأن نقرأ نقاط القوة والضعف كما هي، لا كما يريد لنا العدو أن نراها.

فمن قال إن لدى إيران عصا موسى؟