هل أوشكت حرب الممرات؟!
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط يدور فوق اليابسة وحدها، ولم تعد الجغرافيا السياسية للمنطقة تُقرأ من خلال الحدود والقواعد العسكرية والنفوذ داخل العواصم فقط؛ هناك جبهة أخرى بدأت تفرض نفسها بقوة (البحر) ومع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، والتطورات المتسارعة في البحر الأحمر وباب المندب، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل أوشكت حرب الممرات؟
العالم اليوم يقف أمام حقيقة خطيرة؛أهم ممرات الطاقة والتجارة البحرية أصبحت جزءاً مباشراً من الصراع السياسي والعسكري، ولم يعد السؤال: من يملك البحر؟ بل أصبح السؤال: من يستطيع أن يمنع الآخرين من إستخدامه؟ ومن يسيطر على هرمز؟
تصر الولايات المتحدة على أنها قادرة على حماية الملاحة وضمان حرية المرور في مضيق هرمز، لكن الواقع العسكري والسياسي أكثر تعقيداً من مجرد إعلان السيطرة، فإيران لا تحتاج إلى إحتلال المضيق أو رفع علمها فوق مياهه كي تمتلك تأثيراً إستراتيجياً فيه، يكفي أن تمتلك القدرة على تهديد الملاحة ويكفي أن تستطيع رفع كلفة التأمين ويكفي أن تجعل مرور ناقلات النفط محفوفًا بالخطر.
عندها تصبح القدرة على تعطيل الممر أكثر أهمية من الإدعاء بالسيطرة عليه، ولهذا فإن إرتفاع أسعار النفط والتوتر في أسواق الطاقة يكشفان حقيقة مهمة: المضيق لا يملكه من يقول إنه يسيطر عليه، بل من يستطيع التأثير في حركة المرور داخله وهنا تراهن إيران على قدراتها العسكرية والجغرافية، وعلى أن أي مواجهة مفتوحة في الخليج لن تكون بلا ثمن بالنسبة للعالم.
على الجانب الآخر من المنطقة، يزداد الخطر في باب المندب والبحر الأحمر؛ فالسيطرة أو النفوذ على هذا الممر لا يمثل قضية يمنية أو إقليمية فقط، بل يتعلق بالتجارة العالمية والطاقة والملاحة بين آسيا وأوروبا، وهنا تبدأ الصورة بالتحول، فإذا كان هرمز يمثل بوابة الخليج والطاقة..فإن باب المندب يمثل بوابة البحر الأحمر وقناة السويس.
هذا يعني أن إضطراب الممرين في ذات الوقت يمكن أن يضع العالم أمام أزمة بحرية وإقتصادية غير مسبوقة، وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام جبهتين منفصلتين؟ أم أمام إستراتيجية إقليمية جديدة تجعل الممرات البحرية جزءاً من الحرب؟
إيران ليست وحدها، ربما تكون هذه هي النقطة الأهم، فإيران تدرك أن المواجهة مع الولايات المتحدة ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، ولهذا فإن إمتلاك القدرة على التأثير في هرمز يمثل ورقة ضغط كبرى، وفي المقابل، فإن وجود حلفاء يمتلكون القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر يمنح إيران بعداً إستراتيجياً آخر.
هرمز من جهة، وباب المندب من جهة أخرى، وخلالهما تمر تجارة العالم ونفطه ومصالح القوى الكبرى، وهنا يصبح البحر جزءاً من ميزان القوة، ليس بالضرورة عبر السيطرة الكاملة، وإنما عبر إمتلاك القدرة على المنع والتهديد والتعطيل.
هل أصبحت السعودية وحدها؟ فالتطور الأخطر في المشهد هو أن السعودية تبدو أمام إختبار جديد، فالتوتر مع الحوثيين لم يعد مجرد ملف يمني داخلي، بل أصبح جزءاً من صراع إقليمي واسع يرتبط بالبحر الأحمر والملاحة الدولية والأمن الخليجي.
وهنا يظهر سؤال مهم حول التحالفات الجديدة: أين الحلفاء عندما تبدأ الحرب الحقيقية؟ فالتحالفات السياسية سهلة والإتفاقيات الدفاعية مهمة، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تسقط الصواريخ، وتتعرض المدن والمنشآت والممرات البحرية للخطر، فهل تتحول الإتفاقيات إلى موقف عملي؟ أم تبقى في إطار الردع السياسي؟ وهل تستطيع السعودية مواجهة توسع الصراع وحدها إذا قررت الولايات المتحدة عدم الإنخراط المباشر؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث كثيراً عن القوة، ويقلل في الوقت نفسه من قدرة خصوم الولايات المتحدة، لكنه في الواقع يعرف أن فتح جبهة جديدة ليس قراراً بسيطاً، فالحرب مع إيران لم تعد مجرد عملية عسكرية يمكن تحديد موعد لنهايتها، والحوثيون أثبتوا أن الحرب غير التقليدية يمكن أن تتحول إلى إستنزاف طويل.
ولهذا فإن أي تدخل أمريكي مباشر في جبهة جديدة قد يعني:
♦️حرباً أطول.
♦️خسائر أكبر.
♦️أسعار نفط أعلى.
♦️وتكاليف سياسية داخلية قبل الإنتخابات.
لكن المشكلة أن الحروب لا تسير وفق الجداول الإنتخابية وإذا كان ترامب يعتقد أن المرحلة المقبلة يمكن تأجيلها إلى ما بعد الإنتخابات النصفية، فإن حادثاً واحداً قد يغير كل الحسابات:
♦️ناقلة تُستهدف.
♦️قاعدة تتعرض لهجوم.
♦️منشأة نفطية تُضرب.
♦️أو ممر بحري يتعطل بصورة فعلية.
وعندها قد تبدأ الحرب قبل الموعد الذي يتحدث عنه السياسيون.
الصين.. هل تبقى متفرجة؛ فالصين من أكثر القوى التي لا تريد إشتعال حرب الممرات؛ فهي تعتمد بصورة كبيرة على الطاقة والتجارة البحرية، وأي إضطراب طويل في هرمز أو باب المندب سيؤثر مباشرة في الإقتصاد الصيني، لكن الصين في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى شريك عسكري للولايات المتحدة في حرب جديدة، لذلك من المرجح أن تلعب دوراً مختلفاً:
♦️دبلوماسية.
♦️وساطة.
♦️ضغط سياسي على الأطراف.
♦️وحماية المصالح الصينية قدر الإمكان.
لكن السؤال الأهم هو: هل تستطيع الصين أن تقف على الحياد إذا أصبحت الممرات البحرية التي تمر عبرها تجارتها مهددة بصورة مباشرة؟ربما تكون حرب الممرات هي الإختبار الحقيقي لدور الصين العالمي.
أوروبا والناتو.. الخسارة الإقتصادية أولاً
أوروبا تعرف جيداً معنى إضطراب البحر الأحمر وتعرف أن أي أزمة جديدة في هرمز ستعني طاقة أكثر كلفة، وأسعاراً أعلى، وضغطاً إقتصادياً جديداً، ولهذا من المتوقع أن تستمر أوروبا في حماية الملاحة والمشاركة في الجهود البحرية والدبلوماسية.
لكن دخول أوروبا في حرب مفتوحة ضد إيران يبقى مسألة مختلفة تماماً، فأوروبا لا تريد حرباً جديدة في الشرق الأوسط ولا تريد أزمة طاقة جديدة، ولا تريد أن تجد نفسها بين حرب أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط والضغوط الإقتصادية الداخلية.
أما الناتو، فإن مشاركته ستبقى مرتبطة بطبيعة التطورات والتهديدات المباشرة التي قد تطال مصالح دوله، لكن من الواضح أن القوى الغربية ستجد نفسها مضطرة إلى حماية الممرات، حتى لو لم ترغب في الدخول إلى الحرب.
أما تركيا بالتأكيد ليست بعيدة عن المعادلة، فأي تغير كبير في ميزان القوى داخل إيران أو العراق أو سوريا سيؤثر مباشرة في المصالح التركية، ولهذا فإن أنقرة ستراقب بدقة نتائج الصراع أكثر من رغبتها في الدخول المباشر إليه، تركيا تعرف أن الحروب الكبرى لا تنتهي عند حدود الدولة التي تبدأ فيها.
وإذا تغير النظام الإقليمي بعد أي مواجهة واسعة مع إيران، فإن الفراغات السياسية والأمنية ستظهر في أكثر من مكان.
♦️العراق.
♦️سوريا.
♦️الخليج.
♦️القوقاز.
وهنا ستكون تركيا لاعباً يبحث عن موقعه في النظام الجديد.
أما العراق، فهو ربما أكثر الدول التي يجب أن تخشى توسع حرب الممرات؛ فالعراق ليس بعيداً عن إيران وليس بعيداً عن الولايات المتحدة ويرتبط إقتصادياً بالعالم عبر النفط والدولار والتجارة، كما أن أي إضطراب في الخليج أو هرمز سيؤثر في صادراته النفطية وإقتصاده ومستقبله المالي.
لكن الخطر الأكبر ليس إقتصاديا فقط، الخطر هو أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة لتبادل الرسائل والضربات، وهنا يجب أن تكون الأولوية العراقية واضحة: العراق ليس ساحة حرب ولا يجب أن تُستخدم أراضيه ضد الآخرين ولا يجب أن يكون منصة لتصفية الحسابات، ولا يجوز أن يدفع المواطن العراقي ثمن صراع لا يملك قرار بدايته ولا قرار نهايته.
فكلما إقتربت الحرب من البحر، إزدادت أهمية أن يحمي العراق أرضه، وكلما توسعت جبهات الصراع، أصبح إحتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلام أكثر ضرورة.
السؤال الذي يفرض نفسه حالياً، هل أوشكت حرب الممرات؟ ربما لم تبدأ حرب الممرات بالشكل الكامل بعد، لكن مقدماتها أصبحت واضحة من خلال:
♦️تهديد الملاحة.
♦️إرتفاع أسعار النفط.
♦️تزايد المخاطر في هرمز.
♦️التوتر في البحر الأحمر.
♦️باب المندب.
♦️القواعد العسكرية.
♦️والصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
كل ذلك يقول إن البحر لم يعد مجرد طريق للتجارة، لقد أصبح جبهة حرب محتملة وربما تكون أخطر الحروب المقبلة ليست حرباً على مدينة أو دولة بل حرباً على الطرق التي يمر عبرها العالم، فإذا أصبح هرمز تحت التهديد، وأصبح باب المندب تحت التهديد، فمن يستطيع أن يضمن أن العالم لن يجد نفسه أمام أكبر أزمة للطاقة والتجارة منذ عقود؟
السؤال لم يعد: من ينتصر في الحرب؟ بل: من يستطيع أن يخنق العالم أولًا؟ ولهذا ربما يجب أن ننتبه جيداً إلى ما يحدث في البحر، لأن الحروب الكبرى القادمة قد لا تبدأ من الحدود، بل من الممرات.
الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع




