غواية البنفسج في مرافئ لاهاي..!
رياض الفرطوسي ||

في تلك الأزقة الدافئة المنتشرة بين جنبات لاهاي، حيث يتسلل النسيج المعماري العتيق ليتقاطع مع برودة الهواء الهولندي الشفيف، لم تكن الجلسة في أحد مقاهيها الجميلة مجرد استراحة عابرة قبل الذهاب إلى العرض السينمائي.
كانت تلك اللحظات التي جمعتني بالمفكر والأكاديمي الدكتور عبد الحسين شعبان، قبيل عرض الفيلم الوثائقي الاحتفائي بسيرته وفكره (الرجل الذي لم نَفْقِد بوصلته)، بمثابة مدخل دافئ لعوالم ممتدة من الذاكرة والتاريخ. على طاولة المقاهي التي تشهد عادةً حكايات العابرين، فاض الحديث بروح الدكتور عبد الحسين شعبان المتفائلة وودّها الباذخ؛
حديثٍ تنقّل بين شواهد السير وسرد التجارب وتقلبات العقود، وكيف يظل المثقف متمسكاً بشرارة الأمل رغم كل الخسارات والمنحنيات السياسية الحادة. وفي غمرة هذا التدفق الإنساني والذوقي، أهداني كتابين يمثلان جبهتين متكاملتين في مشروعه الفكري والوجداني: الأول كتاب (الشيخ حسين شحادة:
المنبع والرؤية – مقابسات الروح)، والثاني سفره الشفيف (مظفر النواب: رحلة البنفسج). تسلمتُ الكتابين وأنا أشعر أنني لا أستلم مجرد مطبوعين أُهدايا في محطة ثقافية، بل أستقبلُ وثيقة حية من الصداقة والنضال والشعر، صيغت بقلم متمرس يعرف كيف يحفر في تضاريس الإبداع دون أن تفقد بوصلته اتجاهها.
تتحول قراءة (رحلة البنفسج) عقب ذلك اللقاء إلى إبحار في أسرار تجربة شاعر ملأت أشعاره الدنيا وشغلت الناس، لكن من منظور صديق ومفكر رافقه لأكثر من خمسة عقود. لا يكتفي شعبان بتقديم سيرة نقدية تقليدية تفكك القوافي والأوزان، بل يغوص بعين سينمائية وحقوقية نادرة في الجذور البروموثيوسية لمظفر النواب؛ ذلك الفتى السومري الذي حمل قبس الحرية مطروداً من أرضه، ليتشارك الخلاص والرمزية مع المنفيين والحالمين في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر وإريتريا وظفار. يضعنا شعبان أمام المفارقة الإنسانية الشديدة التكثيف في شخصية النواب؛
رجل غاية في الوداعة والأدب الجم والصوت الخفيض والوقار في حياته اليومية، حتى لتحسبه شخصاً آخر غير ذلك الشاعر الذي يعتلي المنصة ليعبر عن صاخب غضبه وازدرائه لكل أشكال التجبر والظلم والتنكر للفقراء ولعينين كعينَي القدس. ومن هنا كشف الكتاب عن الأصول والعائلة التي انحدرت من الجزيرة العربية وصولاً إلى الكاظمية، مروراً بالهند ونفوذ أجداده هناك ورَفْضِهم الاستمالة البريطانية، وهو التاريخ الترحالي الذي اختزنه مظفر في ذاكرته ليعيد إنتاجه صموداً وتمرداً ضد السلطة والغربة.
يتتبع النص بأناقة سردية فائقة أثر المكان في شاعرية النواب، مؤكداً أن المكان لم يكن جغرافيا صماء، بل مسرحاً جمالياً وسيكولوجياً وسوسيولوجياً شديد الغنى. فمن رحلته الأولى إلى الأهوار، اكتشف النواب ذاته وعلاقته بالطبيعة الساحرة؛ أفقٌ ممتد، مياه تنساب، مشاحيف تشبه الرماح الرشيقة، ووجوه نسوة حالمات ومسحوقات،ليتشكل من كل ذلك النسيج الإبداعي لقصيدته، بشقَيها الشعبي والفصيح.
وتستوقفنا القراءة الفكرية عند واقعة المنفى التي استهلكت أكثر من ثلثي العمر الإبداعي للنواب، ونحو نصف عمره البيولوجي، في تقاطع ناصع مع تجارب قمم الأدب والفن العراقي كالجواهري وبلند الحيدري والبياتي وسعدي يوسف وقيس العزاوي وغائب طعمة فرمان وجبر علوان وآخرين. لكن هذا المنفى، على قسوته ووجعه، لم يكن كسراً للشاعر، بل كان معبراً لتلاقح خصوصيته البغدادية والأهوارية مع شمولية كونية تؤكد مفاهيم باشلار ونيتشه وبريخت؛ حيث تتولد الحداثة الحقيقية من داخل اللغة والتاريخ والتراث المشرق، لا عبر استيراد شكلي زائف يتجاهل التطور التاريخي لمجتمعاتنا.
وفي هذا السفر الأدبي المترع بالأسرار، ينقلنا الكاتب إلى عالم النواب الفنان متعدد الأبعاد؛ فهو ليس شاعر كلام فحسب، بل رسام يمتلك أذناً موسيقية رهيفة وصوتاً شجياً. وتعود هذه الشاعرية الموسيقية إلى نشأته الكاظمية الأولى بين أصداء الطقوس العاشورائية والمواكب المشحونة بالصور، وإلى بيتٍ يعزف فيه الجد الموسيقي الشبيه بطاغور على القانون والبيانو ويكتب الشعر بالعربية والفارسية، بينما تعزف الأم على البيانو والأب على العود والخال على الكمان، متتلمذاً في التشكيل على يد حافظ الدروبي والرحال.
كما لم يغفل الكتاب كشف الحقائق وإماطة اللثام عن فترة الانحطاط السياسي والتجريح السطحي الذي حاول طمس اسم الشاعر أو قرصنة دواوينه المليئة بالأخطاء المطبعية طوال عقود الانغلاق والشمولية. إن (رحلة البنفسج) بتقديماته التوثيقية لخمسة أقسام تجمع بين محاضرات برلين والسليمانية وصالون 15 الثقافي، وقراءات جاسم المطير، ومختارات القصائد المحكية والفصحى، لا تقدم مجرد كتاب عن النواب، بل تُسطر شهادة وفاء واستحقاق ناصعة؛ شهادة مفكر أدرك في مقاهي العالم ومنافيه أن جمر النضال والعدالة وحب الفقراء الذي عاش له النواب لن يتدثر بالرماد، بل سيبقى قبساً يُضيء عتمة الممرات الكونية للأجيال القادمة.




