الأحد - 13 سبتمبر 2026
منذ 13 ساعة
الأحد - 13 سبتمبر 2026

✍️ سمير السعد ||

 

 

 

شوارع مدينتي تحمل دائماً حكايات تفوق تفاصيل المارة، وعلى جسر يمتد فوق نهر دجلة توقفت حركة السير فجأة لتكشف عن مشهد يختصر أزمة أعمق من التوقف اللحظي. سيارة متعطلة على جانب الطريق أربكت المرور، ولدى السؤال عن السبب كان الجواب البسيط: ( ما بيها بنزين… مخلص). بين ازدحام المركبات ورجل مرور يحاول فك الاختناق، همس أحد الحاضرين وهو يشير إلى صاحب السيارة الكهل: ( رجال كبير بالعمر محد يساعده.. ضاعت المروّة ). تلك العبارة العفوية أطلقت شرارة التساؤلات، فتحول الموقف الشارع إلى مرآة تعكس واقعاً يُثقل كاهل المواطن، حاملاً أبعاداً تتجاوز التعاطف الإنساني إلى تفاصيل سياسية واقتصادية معقدة.
في جلسة الأصدقاء التي أعقبت ذلك التوقف، تباينت القراءات ، فمنهم من رأى شح الوقود خطة تمهيدية لرفع الأسعار، ومنهم من اعتبره ورقة ضغط سياسية ترتبط بملفات الفساد والتجاذبات الأخيرة. تداخلت الآراء وتشعبت التفسيرات بين الحاضرين، لكن السؤال الأساسي بقي يتردد في الأجواء ، كيف يتجرع بلد يمتلك أضخم الاحتياطيات النفطية مرارة البحث عن لتر بنزين لسيارة في منتصف الطريق؟
المفارقة المؤلمة تتجسد حين يصدّر البلد ملايين البراميل من النفط الخام يومياً ، ثم يستورد المشتقات الأساسية لتشغيل عجلته اليومية وتلبية حاجة السوق المحلي. تفاصيل الأزمة تتجاوز حدود السيارات الخاصة، إذ امتدت لتضرب قطاعات إنتاجية حيوية ، فمعامل الطابوق، وأصحاب الشاحنات، والمزارعون، وأصحاب الورش يواجهون جميعهم إرتفاعاً قياسياً في التكاليف التشغيلية للوقود. أدى هذا الارتفاع المتزايد إلى اضطرار بعض أصحاب المعامل لتسريح مئات العمال، حيث يضم المعمل الواحد نحو مئة وخمسين عاملاً، مما يهدد أرزاق آلاف العائلات ويحول الاختناق النفطي إلى أزمة اجتماعية تقتطع قوت الطبقات العاملة.
تتحول وزارة النفط مع كل دورة سياسية إلى ساحة محتدمة للصراع والتنافس بين الكتل، بينما يتراجع الاهتمام بالحلول الجذرية المتمثلة في إنشاء مصافٍ حديثة وتطوير المنشآت القائمة واستثمار الغاز الذي يحترق في السماء. استغلال الثروة النفطية كمورد مالي مخصص لسد العجز السنوي دون تحويلها إلى صناعة تنموية وتأسيس أمن طاقي استراتيجي يشكّل الخلل الهيكلي الأكبر في إدارة الموارد الوطنية.
يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة شجاعة ومسؤولة من القائمين على إدارة ملف الطاقة: متى تتحول الموارد الوطنية إلى درع يحمي المنتج المحلي ويضمن استقرار العمالة؟ ومتى يغادر البلد مربع التصدير الخام والاستيراد المشتق كي يتأسس قرار نفطي وطني مستدام؟ حين يمتلك الشعب هذه الثروة الهائلة، يصبح التحدي الحقيقي متمثلاً في جعل النفط محركاً للبناء والاستقرار، كي لا تظل المروّة والأمن الاقتصادي رهينين للتوقف المفاجئ على أطراف الجسور..