هرمز وباب المندب.. حين تتحول الجغرافيا الإيرانية إلى حصار للاقتصاد العالمي..!
ضياء ابو معارج الدراجي ||

لم تعد المواجهة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة ودول الخليج صراعاً على النفوذ داخل حدود الشرق الأوسط، وإنما أخذت تنزلق إلى اختبار مفتوح لقدرة كل طرف على نقل كلفة المواجهة إلى الطرف الآخر، وفي هذه اللعبة تبدو إيران أكثر إدراكاً لقيمة الجغرافيا من خصومها، لأنها لا تحتاج إلى امتلاك التفوق العسكري المطلق كي تجعل خصومها يدفعون ثمناً باهظاً، بل يكفيها أن تضع يدها على عقدة جغرافية يمر عبرها جزء أساسي من حركة الطاقة العالمية وأن تحتفظ في الوقت نفسه بشبكة نفوذ تمتد من الخليج إلى اليمن،
لتصبح المسافة بين قرار سياسي في واشنطن وارتفاع سعر برميل النفط في آسيا أو أوروبا أقصر بكثير مما يتخيل صانع القرار الأمريكي. ومن هنا يكتسب مضيق هرمز أهمية تتجاوز حجمه الجغرافي بكثير؛ فهو ليس مجرد ممر بحري بين ضفتين، وإنما نقطة اختناق استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الدول المنتجة والمستهلكة وشركات النقل والتأمين والأسواق المالية،
ولذلك فإن قيمة المضيق بالنسبة إلى طهران لا تكمن فقط في قدرتها على التأثير المباشر في حركة الملاحة، وإنما في قدرتها على إبقاء احتمال الاضطراب حاضراً في ذهن السوق، لأن الاقتصاد العالمي يتعامل مع المخاطر قبل وقوعها، ويبدأ في دفع ثمنها بمجرد أن تصبح ممكنة. وبذلك تحولت معادلة هرمز من مسألة عسكرية إلى معادلة نفسية واقتصادية؛ فكل ناقلة تمر عبره تحمل معها علاوة مخاطر، وكل شركة شحن تعيد حساب مسارها، وكل دولة مستوردة للطاقة تراجع احتياطياتها، وكل ارتفاع في كلفة التأمين يتحول في النهاية إلى رقم إضافي في فاتورة المستهلك العالمي.
وفي المقابل، جاءت الحرب في اليمن لتضيف إلى هذه المعادلة بعداً جنوبياً بالغ الحساسية، إذ إن تنامي قدرة الحوثيين على الاقتراب من المجال المؤثر في باب المندب يمنح إيران عمقاً استراتيجياً إضافياً، سواء من خلال التنسيق السياسي أو تشابك المصالح أو مجرد وجود قوة حليفة قادرة على تهديد أحد أهم الممرات التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، وبذلك لم تعد الضغوط محصورة في البوابة الشرقية للخليج، بل أصبحت تمتلك امتداداً يمكنه التأثير في الطريق البحري الممتد نحو أوروبا، وهو ما يرفع كلفة أي أزمة في هرمز ويجعل البحث عن بدائل أكثر تعقيداً وأعلى سعراً.
وإذا استمر تقدم الحوثيين في اليمن نحو مناطق أكثر تأثيراً في باب المندب، فإن المسألة لن تبقى شأناً يمنياً أو خليجياً، لأن اضطراب هذا الممر يعني عملياً إعادة رسم خرائط النقل البحري، وزيادة المسافات التي تقطعها السفن، وارتفاع استهلاك الوقود والتأمين وأجور الشحن،
وبالتالي انتقال جزء من كلفة الحرب إلى أسعار السلع والطاقة في اقتصادات لا علاقة لها مباشرة بالصراع. هنا تحديداً تكمن المفارقة التي يصعب على واشنطن والعواصم الخليجية تجاهلها: كلما حاولت سياسة الحصار والعقوبات دفع إيران إلى زاوية اقتصادية أضيق، اتسعت أمام طهران مساحة استخدام البيئة الإقليمية المحيطة بها كوسيلة لرفع كلفة ذلك الحصار، فأصبحت العقوبات نفسها جزءاً من معادلة الضغط المتبادل بدلاً من أن تكون أداة أحادية الاتجاه. وقد يكون هذا هو جوهر الرهان الإيراني؛
ليس تحقيق انهيار اقتصادي عالمي شامل، وإنما الوصول إلى النقطة التي يصبح فيها استمرار الضغط على طهران أكثر تكلفة من الدخول معها في تسوية، لأن الدول الكبرى لا تتخذ قراراتها الخارجية في فراغ سياسي، وإنما تحت ضغط أسعار الطاقة والتضخم واضطراب سلاسل الإمداد ومصالح شركاتها وأسواقها، وكلما طال أمد التوتر أصبحت هذه العوامل أكثر حضوراً في حساباتها.
وحتى في مسألة حركة النفط، تستطيع طهران أن تستخدم المرونة في السماح والقيود والتمييز بين الحالات المختلفة كورقة تفاوضية، بما في ذلك الترتيبات التي تسمح للعراق بالحفاظ على صادراته النفطية، لتبعث برسالة مفادها أن التحكم في البيئة البحرية لا يعني بالضرورة إطفاء كل المصابيح، بل يمكن استخدام مفاتيحها بصورة انتقائية وفق ميزان المصالح.
ومن هذه الزاوية تبدو سياسات ترامب التصعيدية وكأنها ساعدت، من حيث لا يريد، في رفع القيمة السياسية للموقع الإيراني؛ فبدلاً من أن يبقى الصراع محصوراً في سؤال قدرة إيران على تحمل العقوبات، أصبح العالم مضطراً إلى سؤال آخر أكثر إزعاجاً: كم تبلغ كلفة إجبار إيران على تحملها؟
وهذا السؤال هو الذي يضع الأسواق والحكومات أمام الحساب الأصعب، لأن أي مواجهة واسعة قد تجعل أمن الطاقة والتجارة رهينة لسلسلة مترابطة من نقاط الاختناق تبدأ بهرمز وتمتد عبر الخليج واليمن وباب المندب والبحر الأحمر، وعندها لن تكون المشكلة في قدرة الولايات المتحدة على إرسال المزيد من السفن والطائرات، بل في قدرتها على ضمان أن القوة العسكرية تستطيع إعادة الاستقرار إلى منظومة اقتصادية تتأثر أحياناً بمجرد شائعة عن خطر محتمل. لقد دخل ترامب وحكام الخليج هذه المواجهة بمنطق امتلاك أدوات الضغط،
بينما تتصرف طهران بمنطق امتلاك مفاتيح الكلفة؛ وبين المنطقين تتسع مساحة المناورة الإيرانية، لأن إيران لا تحتاج إلى الانتصار في كل مواجهة ولا إلى السيطرة على كل طريق بحري، وإنما يكفيها أن تجعل خصومها عاجزين عن تحويل تفوقهم العسكري إلى نتيجة سياسية واقتصادية حاسمة. وفي النهاية، فإن أخطر ما في هذه الأزمة ليس احتمال إغلاق هرمز أو اضطراب باب المندب في حد ذاته، وإنما أن تتحول حالة عدم اليقين إلى وضع دائم، فتكتشف الأسواق أن الخطر لم يعد حادثاً استثنائياً يمكن تسعيره ثم تجاوزه، بل أصبح جزءاً من بنية التجارة والطاقة العالمية؛ وعند تلك النقطة ستكون إيران قد حققت أثمن ما يمكن أن تبحث عنه في مثل هذه المواجهة: ليس إسقاط الاقتصاد العالمي، وإنما جعل العالم يشعر بأن استقرار هذا الاقتصاد يمر، ولو جزئياً، عبر التسوية مع طهران لا عبر محاولة خنقها.
ضياء ابو معارج الدراجي



