أبعد من الطريق.. الحلقة السابعة: بين عِزّة الأسر وبذخ الشاشات..!
عهود الأسدي ||

ليست كلُّ الآثار خطواتٍ تُطبع على التراب، بل منها ما يُحفر في الروح، يُرافق السائرين كظلٍّ لا يزول، ويستقر في جدران الدور كشهادة يقين.
في ذلك الموكب الهاشمي الذي طوى القفار، لم تكن الحكاية مجرد ظعنٍ يفرّ من جور، بل كانت تربية تحمل روحها على الأكف. هنالك، تعلّم الصغار كيف تصبح المبادئ أوطانًا بديلة حين تضيق الأرض، وكيف يُسكب البناء الإنساني صامتًا في أعين الأبناء؛ يقرؤونه في ثبات الأب حين يشتد الخطب، وفي صبر الأم حين تلوذ بالستر.
فالطفل لا تُصمّ أذناه بالوعظ، بل تتّسع عيناه بالقدوة؛ يمتص موقف أهله في اللحظة الحرجة، ليكون له ذخيرة يوم يواجه الحياة بمفرده.
وفي أوج قسوة الأسر، وتحت بصر الجموع، كشفت تلك القافلة عن فقه جديد للكرامة؛ فجاعوا وما استجدوا الصدقة، وسُلبوا ما يملكون، وما سمحوا بسلب كبريائهم. طلبوا إبعاد الرؤوس الشريفة لتنشغل الأبصار عن حُرَمهم، في درس خالد مفاده: أن الستر حرمة، وللنظر أدب، وأن العزة لا تسقط حتى وإن تداعت الأسوار.
ثم تدور بنا الأيام لنقف أمام حاضرنا المعكوس؛ نحن الذين تحيط بنا جدران آمنة، ونملك أقفال بيوتنا، لكننا اخترنا أن نثقب بأيدينا نوافذ لا تُغلق… الشاشات.
بدّدنا ذلك الستر العالي في غمرة العافية، وجعلنا من تفاصيل يومياتنا، وضحكات أطفالنا، وخصوصيات منازلنا، مادة مشاعًا لعابري العالم الافتراضي. أصبحت القيمة تُقاس بالاستعراض، وأمسى غض البصر جهادًا يخوضه الإصبع قبل العين؛ أن تتجاوز ما لا يعنيك، وألا تقتحم خلوة لم تُدعَ إليها.
إن أثمن ما نُورّثه للجيل الجديد ليس طريقًا مفروشًا بالورد، بل صلابة داخلية تعينهم على الثبات حين تعصف بهم الرياح. فالصوت الزينبي الذي زلزل العروش لم يولد وليد فجيعة، بل كان حصاد بيت عرف المبدأ، وصان الكرامة، ورعى الستر.
وحين نطأ اليوم طريق الأربعين، يحسن بنا أن نهمس لأنفسنا بسؤال يعرّي الواقع:
ماذا حملوا معهم من خِدر البيت حتى وسعهم أن يحملوا كل ذلك المدى؟
هم حفظوا الخصوصية وهم في الأسر والقيود… ونحن أرقنا أسرارنا ونحن في أتم العافية. هم ساروا بين الناس وحفظوا الحرمات، ونحن خلف أبوابنا المغلقة فتحنا نوافذنا للعالم.
فأيّ الطريقين كان أشق على صاحبه؟
طريقهم الذي قطعوه بأقدامهم مقيّدين بالحديد… أم طريقنا الذي نتحيّر في عبوره داخل أرواحنا المكشوفة؟
ذلك ما يحتاج منا غوصًا… أبعد من الطريق.




