السبت - 29 اغسطس 2026

سيدي أبا مجتبى.. لقد ركع العدو كما ركعوا عندما كنت بيننا..!

منذ ساعتين
السبت - 29 اغسطس 2026

الكاتب والباحث الاكاديمي صلاح الاركوازي ||

 

 

 

سيدي أبا مجتبى كما عاهدك أبناءك عندما كنت معنا وعهدنا معك كان عهد دم ومصير كعهد أصحاب الامام الحسين ع في طف كربلاء، واليوم ابناءك يقولون لك نم قرير العين مرتاح البال على الامانة فهي في أيدٍ أمينة…. “سيدي أبا مجتبى.. لقد ركع العدو” ليست مجرد صرخة نصر ميدانية، بل هي تجسيد لإستراتيجية تحول بنيوي في الحروب اللامتناظرة، حيث تتحول المقاومة الصلبة والدفاع المرن إلى أداة لكسر الإرادة السياسية والعسكرية للعدو وتفكيك منظومة ردعه.
أولاً: الهندسة العقائدية والإستراتيجية للنداء
إن توجيه البلاغ إلى “أبي مجتبى” يمثل الركيزة الفلسفية والأخلاقية للمواجهة:
1 – وحدة القيادة والميدان: يعكس الخطاب سريان القرار الإستراتيجي من أعلى هرم القيادة إلى أعمق نقطة في خطوط الاشتباك الأمامية، مما يلغي الفجوة بين التخطيط التكتيكي والغاية الجيوسياسية.
2 – البُعد المفهومي للنصر: النصر في هذا السياق لا يُقاس بحجم الدمار الذي يحدثه العدو، بل بقدرة المقاومة على منع العدو من تحقيق أهدافه وتدفيع ثمن باهظ يجعل الاستمرار في الحرب انتحاراً سياسياً وعسكرياً.
ثانياً: التحليل العسكري والتكتيكي لمفهوم “الركوع”
يركع العدو عسكرياً عندما تفقد ترسانته القدرة على الحسم، ويتحول تفوقه المادي إلى عبء إستراتيجي عبر المحاور التالية:
1 – شلل تكتيكات الامتناع (A2/AD): تحييد التفوق الجوي والتقني للعدو عبر استراتيجيات حظر المنطقة والوصول، وإجبار قواته على القتال في بيئة معقدة وغير متكافئة.
2 – استنزاف بيئة الردع: الانتقال من “حرب الخاطفة” إلى “الحرب الطويلة”، وهو نمط لا تستطيعه الجيوش النظامية التي تعتمد على الاستقرار الاقتصادي والغطاء السياسي الداخلي.
3 – التآكل الإدراكي (Cognitive Warfare): الانكسار يبدأ في ذهنية صانع القرار العسكري لدى العدو، عندما يدرك أن كل خيار عسكري إضافي سيؤدي إلى تعميق الخسارة بدلاً من تداركها.
ثالثاً: التداعيات الجيوسياسية والمستقبلية
1 – المحور
2 – طبيعة التحول بعد انكسار العدو
ا – الميدان العسكري
ب – الجبهة الداخلية للعدو
أ – التوازن الإقليمي
ب – انتقال المقاومة من وضعية “توازن الرعب” إلى “فرض قواعد الاشتباك”.
أ – تفكك التماسك المجتمعي، وتبادل الاتهامات بين القيادتين السياسية والعسكرية.
ب – سقوط مشاريع الهيمنة الإقليمية وإعادة هيكلة تحالفات المنطقة على أساس القوة الفاعلة لا التبعية.
إن هذا الانكسار يثبت أن الحسم في حروب الجيل الحديث لا يُكتب بحجم النيران، بل بإرادة القتال، والتخطيط المحكم، وإدارة عناصر القوة الشاملة حتى يرضخ الخصم ويفقد القدرة على المبادرة.
صياغة أسلوب المواجهة الكبرى في فكر وتخطيط الإمام الخامنئي لم تكن وليدة المصادفة، بل قامت على رؤية مركية جمعت بين الفلسفة العقائدية، والتخطيط الإستراتيجي بعيد المدى، وبناء البنية التحتية الصلبة للمقاومة.
ارتكزت عملية الإعداد والتربية الإستراتيجية التي قادها الإمام الخامنئي لإدارة الصراع المركّب والمتكافئ/غير المتكافئ إلى خمسة أركان أساسية:
1 – العقيدة القتالية وتعبئة الإرادة (حرب الإرادات)
ترسيخ مبدأ الصمود الإستراتيجي: التنظير لفكرة أن الحرب الحديثة هي صراع إرادات قبل أن تكون مواجهة عتاد، حيث يُكسر التفوق المادي للخصم بإرادة قتالية لا تتراجع.
البُعد المفهومي للشهادة والسيادة: بناء خطاب يربط التضحية بالغاية الجيوسياسية والعقائدية، مما منح الميدان قدرة هائلة على تحمل الخسائر التكتيكية دون الانكسار الإستراتيجي.
2 – مكررات الردع وتطوير استراتيجية “A2/AD” (منع الوصول)
الاعتماد على الذات والابتكار التقني: توجيه المؤسسات العسكرية والبحثية لنقل التكنولوجيا وبناء القدرات الذاتية (المسيّرات، الصواريخ الباليستية والدقيقة، والحروب السيبرانية) لكسر الحصار التسليحي.
حظر المنطقة وتغيير قواعد الاشتباك: تطبيق مفهوم “المنع والتطويق” (A2/AD) لتحييد التفوق الجوي والبحري للعدو، وجعل كلفة أي مغامرة عسكرية أعلى بكثير من مكاسبها المتوقعة.
3 – هندسة “محور المقاومة” والشراكة غير المتناظرة
تحويل المقاومة إلى شبكة إقليمية متكاملة: الانتقال من مفهوم “الدعم الإقليمي” إلى بناء منظومة دفاعية هجينة ومستقلة القرار ميدانياً، تمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط.
الاستقلالية المرنة: تربية القيادات الميدانية على الإدارة الذاتية والتكتيك الحر في إطار التوجيه الإستراتيجي العام، مما حال دون شلل المنظومة في حال استهداف رأس الهرم.
4 – إدارة “الحرب الهجينة” والصبر الإستراتيجي
أ – سياسة الاستنزاف البطيء: تجنب الاستدراج إلى حروب مواجهة شاملة غير محسوبة، وتفضيل استنزاف العدو على المدى الطويل لتفكيك تماسك بيئته الداخلية وإجهاد اقتصاد حلفائه.
ب – الموازنة بين الحرب والقيادة المعرفية: دمج المواجهة العسكرية بالحرب الإدراكية والإعلامية للتأثير على بيئة القرار لدى الخصم ومحاصرة روايته.
5 – بناء “المجتمع المقاوم” والاستقرار الاقتصادي
أ – اقتصاد المقاومة: إرساء قواعد التكيف الاقتصادي لمواجهة العقوبات الممتدة، لمنع انهيار الجبهة الخلفية أثناء الصدمات الكبرى.
ب – التلاحم بين القيادة والقواعد: التركيز المستمر على التعبئة الفكرية والشعبية لضمان استمرارية الحاضنة الاجتماعية للمشروع الدفاعي.
هذا الإعداد المتكامل حول القوة من مجرد أدوات ردع تقليدية إلى منظومة جيوسياسية متماسكة، أوجدت بيئة ميدانية وإستراتيجية قادرة على إفشال مخططات الحسم السريع لدى الخصم وفرض توازنات جديدة في المنطقة.

وهنا هذا السؤال المهم والجوهري يطرح نفسه وبقوة :
كيف ربى واعد الامام الخامنئي رض ابنائه لمثل هذه المواجهة الكبرى ؟
تجلت هندسة الإمام الخامنئي للمواجهة الكبرى في تحويل الإعداد من مجرد تسليح عسكري إلى بناء منظومة عقائدية، إستراتيجية، ومفهومية شاسعة جعلت الاستنزاف البطيء للعدو حتمية تاريخية.
يتعمق هذا البناء الإستراتيجي عبر المحاور البنيوية التالية:
الانتقال من “الدفاع الانفعالي” إلى “المبادرة المركبة”:
لم يربّ الإمام الخامنئي المنظومة على انتظار ضربات الخصم ثم الرد عليها، بل أسس لمفهوم “المبادرة النَشِطة”، حيث يتم إدارة قواعد الاشتباك وتسيير مسرح العمليات عبر فتح جبهات متكافئة ومتقاطعة تُربك غرفة عمليات العدو وتمنعه من الاستفراد بأي طرف.
العقيدة العسكرية الهجينة (الجمع بين النظامي واللا متناظر):
صمم الإمام هيكلية عسكرية لا تعتمد على النمط التقليدي للجيوش التي يسهل استهدافها بالطيران والتقنيات الحديثة، بل دمج قوة الردع المادية (كالصواريخ الدقيقة والمسيّرات) بتكتيكات حرب العصابات المدنّة، مما خلق بيئة قتال غير مرئية تُبطل فاعلية الترسانات الضخمة.
إدارة “عنصر الوقت” كأداة حسم:
تركزت التربية الإستراتيجية على تحويل عامل الوقت من نقطة ضعف إلى سلاح قاتل للخصم؛ فالعدو القائم على الاقتصاد السريع والجبهة الداخلية الهشة لا يتحمل الحروب الطويلة، بينما بُنيت منظومة المقاومة على النفس الطويل والصبر الإستراتيجي لإيصال العدو إلى مرحلة الإجهاد الشامل.
التكامل بين “الحرب السيبرانية والإدراكية” والميدان:
لم يقتصر الإعداد على الجانب المادي، بل أُعطي بعد التأثير النفسي والإدراكي مساحة واسعة؛ من خلال ضرب ثقة مجتمع العدو بصدق قيادته، والتحكم في الرسائل الإعلامية الموجهة التي تركز على إبراز عجز التكنولوجيا المتقدمة أمام الإرادة الميدانية.
الاستقلالية الهيكلية والمرونة الميدانية:
أرست الرؤية القيادية مفهوماً جديداً للقيادة والسيطرة يقوم على “اللامركزية التكتيكية مع المركزية الإستراتيجية”؛ حيث تمتلك الوحدات الميدانية صلاحية اتخاذ القرارات القتالية الذاتية والتعامل مع التحولات اللحظية دون انتظار الأوامر، مما يضمن استمرارية الفاعلية حتى في أحلك ظروف قطع الاتصالات أو استهداف القيادات.
إن هذا التخطيط التراكمي لم يكن لمنع الهزيمة فحسب، بل لإيجاد واقع إقليمي جديد يصبح فيه البقاء والانتصار نتيجة منطقية لتوازن الإرادات لا لتوازن السلاح.