إيران تقهر الجغرافيا الحتمية بطريق كاجاران..!
✍️ د. ماجد الشويلي ||

لطالما بدت الجغرافيا، في الحسابات الاستراتيجية، قدراً لا يمكن تجاوزه. غير أن التاريخ يثبت أن الإنسان، حين يمتلك الإرادة والتكنولوجيا والقدرة على الاستثمار، يستطيع أن يحول الجغرافيا من قيد إلى أداة، ومن عائق إلى فرصة. ومن هنا تبرز إيران بوصفها نموذجاً واضحاً لما يمكن تسميته بقهر الجغرافيا وتطويعها ، فهي لا تتعامل مع موقعها الجغرافي باعتباره معطى ثابتاً، بل تسعى إلى إعادة توظيفه بما يخدم مصالحها الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، وبما يسمح لها في الوقت نفسه بإعادة تشكيل جزء من الجغرافيا السياسية للمنطقة.
وهذه الفكرة تنسجم مع المدرسة الإمكانية أو الاحتمالية في الجغرافيا، التي ترى أن البيئة لا تفرض على الإنسان مساراً واحداً، وإنما تمنحه مجموعة من الإمكانات ، بينما تحدد المعرفة والتكنولوجيا والإرادة السياسية كيفية استثمار تلك الإمكانات. فمنذ شق القنوات المائية الكبرى، مروراً بالأنفاق التي اخترقت الجبال والجسور التي تجاوزت البحار، وصولاً إلى استصلاح الأراضي والجزر الاصطناعية، أثبت الإنسان أنه قادر على تعديل أثر الجغرافيا بدلاً من الاستسلام لها.
وفي هذا السياق يمكن النظر إلى طريق كاجاران في جنوب أرمينيا باعتباره أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية. فالنفق الذي يبلغ طوله نحو 7.2 كيلومترات، والذي تشارك فيه شركات إيرانية متخصصة لتنفيذه، يمثل جزءاً مهماً من ممر النقل الدولي (شمال–جنوب)، الذي يتيح لإيران تعزيز اتصالها بأرمينيا، ثم بجورجيا وموانئ البحر الأسود، وصولاً إلى روسيا وأوروبا.
إن أهمية المشروع لا تكمن فقط في اختصار المسافة وتسهيل حركة الشاحنات، وإنما في أنه يعكس فلسفة إيرانية أوسع إذا كانت الجغرافيا تضع عائقاً أمام المصالح الإيرانية، فإن طهران تحاول تغيير طريقة عمل هذه الجغرافيا بدلاً من قبول نتائجها.
فالتضاريس الجبلية الوعرة في جنوب أرمينيا، التي كانت تشكل عائقاً أمام حركة النقل، يجري تحويلها بواسطة النفق إلى ممر أكثر كفاءة. ويتيح ذلك تقليل زمن النقل ورفع سرعة الحركة التجارية، بما يعزز قابلية الطريق ليكون جزءاً من شبكة ترانزيت إقليمية أوسع. وهنا تتحول الجغرافيا من حاجز إلى بنية تحتية تخدم الاقتصاد الإيراني.
لكن البعد الاقتصادي ليس سوى أحد أوجه المشروع.
إذ أن أهمية طريق كاجاران ترتبط مباشرة بالصراع الأوسع حول مستقبل ممرات النقل في جنوب القوقاز، ولا سيما ممر زنغزور. فطهران تنظر إلى أي صيغة تؤدي إلى إضعاف اتصالها المباشر بأرمينيا باعتبارها تطوراً جيوسياسياً وأمنياً بالغ الحساسية.
فإيران تمتلك حدوداً مباشرة مع أرمينيا، وهذه الحدود تمنحها منفذاً برياً مهماً نحو القوقاز وأوروبا. ولذلك فإن أي إعادة ترتيب للممرات الإقليمية يمكن أن تقلل من أهمية هذا الاتصال أو تجعله رهينة ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، تعني بالنسبة لطهران خسارة جزء من هامشها الاستراتيجي.
ومن هنا يمكن فهم إصرار إيران على تطوير البدائل التي تمر عبر الأراضي الأرمينية وتربطها مباشرة بممرات شمال–جنوب. فالمسألة بالنسبة إليها ليست طريقاً تجارياً فحسب، بل صراع على من يملك القدرة على الحركة ومن يملك مفاتيح الجغرافيا.
فإذا كان مشروع زنغزور يمكن أن يعيد تشكيل طرق التجارة لمصلحة تركيا وأذربيجان ويعزز الاتصال بين تركيا والعالم التركي في آسيا الوسطى، فإن تطوير البنية التحتية الإيرانية–الأرمينية يمنح طهران فرصة للحفاظ على موقعها كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلة النقل الإقليمية.
وتزداد أهمية هذه السياسة كلما ازدادت الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تواجهها إيران ومحاولات خنق تجارتها وقدرتها على الوصول إلى الأسواق، فيصبح امتلاك ممرات متعددة ومستقلة مسألة تتجاوز الاقتصاد لتصبح جزءاً من الأمن القومي.
ولهذا فإن الاستثمار الإيراني في الطرق والسكك الحديدية والموانئ والممرات البرية لا ينبغي النظر إليه كمشاريع منفصلة. إنها، في مجموعها، محاولة لبناء شبكة تسمح لإيران بالوصول إلى الأسواق العالمية عبر مسارات متعددة، بحيث لا تكون تجارتها رهينة بممر واحد أو دولة واحدة أو ترتيبات سياسية يمكن أن تتغير.
ومن هنا تكتسب مشاريع مثل كاجاران قيمة استراتيجية مضاعفة: فهي من جهة تزيد القدرة التنافسية للترانزيت الإيراني، ومن جهة أخرى تقلل من قابلية اقتصاد الجمهورية الاسلامية للاختناق إذا أُغلقت أمامها بعض المنافذ التقليدية.
ما تفعله إيران اليوم في جوهره هو الانتقال من الدفاع داخل الجغرافيا إلى استخدام الجغرافيا كأداة نفوذ.
فهي تقع بين الخليج وبحر قزوين والقوقاز وآسيا الوسطى، وتجاور ممرات التجارة الممتدة بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وتمتلك إمكانات هائلة بامكانها تحويل موقعها إلى شبكة متكاملة من طرق النقل والموانئ والسكك الحديدية والمعابر.
ولهذا فإن نجاح ممر شمال–جنوب وتكامله مع مشاريع أخرى يمكن أن يرفع قيمة الموقع الإيراني في الاقتصاد الإقليمي بل والعالمي. وكلما ازدادت الدول والشركات اعتماداً على الطرق التي تمر عبر إيران، أصبحت محاولة عزلها اقتصادياً أكثر كلفة وتعقيداً.
وهنا تحديداً تكمن أهمية كاجاران بوصفه بداية لا نهاية.فالمشروع يمكن أن يمثل نموذجاً لمشاريع أخرى مماثلة تستهدف إزالة الاختناقات الجغرافية، وفتح طرق جديدة نحو أرمينيا وجورجيا والبحر الأسود وروسيا، وربطها بالموانئ والممرات الإيرانية جنوباً. ومع تراكم هذه المشاريع، لا يعود الأمر متعلقاً بنفق أو طريق منفرد، بل ببناء منظومة جغرافية اقتصادية جديدة.
كما يجدر بنا أن نتذكر بعدم إمكانية فصل هذه المشاريع عن التنافس الدولي والإقليمي على جنوب القوقاز. فالولايات المتحدة تنظر إلى ممرات المنطقة باعتبارها وسيلة لإعادة تشكيل تدفقات التجارة والطاقة وتقليص الاعتماد على المسارات التي تمر عبر روسيا وإيران، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على نفوذها التاريخي في القوقاز وضمان استمرار وصولها إلى الأسواق الجنوبية.
وفي المقابل، تحاول إيران منع تحول القوقاز إلى منطقة تُرسم ممراتها التجارية والأمنية من دون أخذ مصالحها في الاعتبار.
المهم أن إيران لا تحتاج بالضرورة إلى الانتصار في كل مواجهة جيوسياسية حتى تحقق مكاسب استراتيجية. يكفيها أحياناً أن تمنع خصومها من امتلاك قدرة حصرية على إعادة تشكيل المنطقة.
ومن هذه الزاوية، فإن تطوير البدائل الإيرانية يمثل سياسة تحصين استراتيجي تحصين طرق التجارة، وتنويع منافذ التصدير والاستيراد، وتوسيع شبكة الشركاء، وتحويل الأراضي الإيرانية والأرمنية المتصلة بها إلى عقدة في شبكة النقل الإقليمية.
وهنا تتجسد الفكرة الأساسية للمدرسة الإمكانية بأوضح صورها، فالجغرافيا قد تفرض على الانسان بيئته وحدوده ، لكنها لا تحتم بالضرورة مصيره. فمن يمتلك الإرادة والتكنولوجيا والقدرة على الاستثمار يستطيع أن يعيد تفسير الخريطة، وأحياناً أن يعيد رسم آثارها السياسية والاقتصادية.




